ويليام كريستو- صحيفة «الغارديان» البريطانية
ترجمة خاصة:أقلام عبدالملك مانع / لا ميديا -
انتزع الحوثيون السيطرة على ساحل البحر الأحمر اليمني من الحكومة المدعومة من السعودية، ما منح إيران وحلفاءها السيطرة على ممر ملاحي رئيسي.
اندلع العنف مجدداً في اليمن، حيث يهدد التقدم السريع للحوثيين في الأيام الأخيرة ممراً مائياً آخر بالغ الأهمية للشحن العالمي.
قُتل أو جُرح أكثر من 1000 شخص، ونزح عشرات الآلاف جراء أخطر قتال بين الحوثيين المتحالفين مع إيران وقوات الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية منذ سنوات.
رغم أن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران كانت المحفز المباشر للقتال، إلا أنها تنبع من سنوات من الصراع في اليمن نفسه.

من هم الأطراف المتحاربة في الحرب الأهلية اليمنية؟ ومن هم داعموهم؟
الطرفان الرئيسيان المتحاربان في الحرب الأهلية اليمنية هما القوات الحكومية اليمنية وحلفاؤها، وحركة الحوثيين. تسيطر الحكومة اليمنية على شمال شرق البلاد ومينائها الجنوبي. وتُعدّ الحكومة السلطة المعترف بها دولياً في اليمن، إلا أنها تحظى بدعم رئيسي من السعودية وتحالف من الدول العربية التي تدخلت لصالحها خلال الحرب الأهلية.
بالإضافة إلى دعم قوات الحكومة اليمنية، يتدخل التحالف الذي تقوده السعودية عسكرياً بشكل مباشر في البلاد، وذلك بشكل رئيسي من خلال الغارات الجوية.
يُنازع الحوثيون، الذين يسيطرون على الجزء الغربي من البلاد، بما في ذلك العاصمة صنعاء، الحكومة في السيطرة على البلاد. وتُعتبر هذه الجماعة الشيعية متحالفة بشكل عام مع إيران، وهي جزء من «محور المقاومة»، وهو تحالف يضم جماعات مسلحة موالية لإيران في «الشرق الأوسط»، مثل حزب الله. لكن رغم تحالفها الأيديولوجي مع إيران، التي تُزوّدها ببعض شحنات الأسلحة، يُعتبر الحوثيون جماعة مستقلة ذات سياسات خاصة بها، كما تنشط في البلاد مجموعة متنوعة من الجماعات المسلحة الصغيرة.

ما الذي حدث في الأيام الأخيرة؟
شنّ الحوثيون، الأسبوع الماضي، هجوماً واسع النطاق للسيطرة على أجزاء من الساحل الغربي لليمن، وتعزيز موقعهم الاستراتيجي فوق باب المندب. ثم اندلعت اشتباكات على جبهات متعددة في اليمن، في محاولة من القوات الحكومية المدعومة من السعودية لإعادة ترسيخ مواقعها، حيث بدأت المواجهات في الجوف والبيضاء وتعز والحديدة.
ثم أصدرت القوات الحكومية اليمنية بياناً قالت فيه إنها ستشن حملتها الخاصة لمحاولة استعادة صنعاء من الحوثيين.
شنّ الحوثيون هجمات صاروخية على السعودية يوم الثلاثاء، ما أسفر عنه إصابة 73 شخصاً واشتعال حرائق هائلة في منشآت نفطية سعودية. ثم شنت السعودية أكثر من 50 غارة جوية على اليمن خلال 12 ساعة يوم الأربعاء. وكانت هذه أعنف جولة قتال تشهدها البلاد منذ خطة السلام التي توسطت فيها الأمم المتحدة عام 2022.
أسفر ذلك عن تقدم سريع للحوثيين جنوباً على طول الساحل الغربي لليمن يومي الخميس والجمعة وسيطرتهم على مدينة المخا الساحلية، ثم على جزيرة بريم الاستراتيجية في مضيق باب المندب. وفي انتظار هجوم مضاد من القوات الحكومية، باتت الجماعة قادرة على السيطرة على حركة الملاحة في المضيق.

ما مدى أهمية المضيق؟
يُعدّ باب المندب ممراً مائياً حيوياً للملاحة البحرية، إذ يمرّ عبره نحو 10% من التجارة البحرية العالمية. وقد ازدادت أهميته منذ أن بدأت الولايات المتحدة حربها ضد إيران وأغلقت الأخيرة مضيق هرمز.
أصبح البحر الأحمر، عبر مضيق باب المندب، شريان حياة حيوياً للسعودية لتصدير نفطها. وإذا سيطر الحوثيون سيطرة كاملة على المضيق، فسيكون بإمكانهم إغلاق الملاحة فيه فعلياً، أو فرض رسوم مرور. وهذا من شأنه أن يمنح إيران وحلفاءها السيطرة على ممرين ملاحيين رئيسيين في المنطقة.

كيف بدأت الحرب في اليمن؟
بدأت الحرب الأهلية في العام 2014 عندما اندلع القتال بين الحوثيين والجيش اليمني بعد إطلاق النار على أنصار الحوثيين خلال احتجاجات حاشدة ضد خفض دعم الوقود في العاصمة صنعاء. وسرعان ما سيطر الحوثيون على العاصمة، وبحلول العام 2015 أطاحوا بالحكومة.
ثم تدخل تحالف من الدول العربية في الغالب، بقيادة السعودية، نيابة عن الحكومة المخلوعة، بحملة جوية في الغالب تعرضت لانتقادات واسعة النطاق بسبب تأثيرها المميت على المدنيين في اليمن.
أعلنت الحكومة اليمنية مدينة عدن الساحلية الجنوبية عاصمة مؤقتة لها، بينما واصل الحوثيون سيطرتهم على صنعاء ومعظم المناطق الأخرى في شمال غرب اليمن.
كان الجانب الموالي للحكومة يتألف من عدة جماعات انقسمت خلال الحرب، وذلك بشكل أساسي على خطى داعميها الرئيسيين: السعودية، التي دعمت الحكومة اليمنية نفسها، والإمارات، التي دعمت بشكل رئيسي المجلس الانتقالي الجنوبي والقوات المشتركة.
كما شهدت البلاد انقسامات، إذ سيطر تنظيم القاعدة على أراضٍ في شرق اليمن، وسعت جماعات انفصالية، مثل «المجلس الانتقالي الجنوبي»، إلى تقسيم البلاد. وقد أدخل التحالف الذي تقوده السعودية مرتزقة أجانب إلى الصراع.
اشتدت حدة التوتر على الجبهات ودخلت الحرب في طريق مسدود. بات تدخل التحالف بقيادة السعودية يثير استياءً متزايداً على الصعيد الدولي، ولم يُفضِ إلى هزيمة الحوثيين. وبعد أن أنهكهم القتال، اتفقت الأطراف المتحاربة على هدنة مؤقتة بوساطة الأمم المتحدة عام 2022. تم تمديد الهدنة مرتين، وساد الهدوء في معظم أنحاء البلاد حتى أيلول/ سبتمبر الجاري.

لماذا انهارت خطة السلام التي توسطت فيها الأمم المتحدة؟
تعرّضت خطة السلام لضغوط شديدة منذ اندلاع الحرب في غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. شنّت «إسرائيل» الحرب رداً على هجوم قادته حماس داخل أراضيها أسفر عنه مقتل نحو 1200 شخص. وقد أدّت الحرب «الإسرائيلية» على غزة، التي أودت بحياة أكثر من 70 ألف فلسطيني، ولقيت إدانة واسعة النطاق لما وصفته لجنة تابعة للأمم المتحدة بالإبادة الجماعية، إلى جرّ محور المقاومة إلى الصراع.
بدأ الحوثيون، في خطوة وصفوها بالتضامن مع أهالي غزة، باستهداف سفن في البحر الأحمر زعموا أنها متجهة إلى «إسرائيل». ويحتل الساحل الغربي لليمن موقعاً استراتيجياً مهماً للملاحة البحرية العالمية، إذ يُطل على مضيق باب المندب الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي.
أدت حملة الحوثيين إلى تدخل عسكري أمريكي وزعزعة الهدنة في اليمن. وفي الوقت نفسه، جلب هذا التدخل للحوثيين دعماً إقليمياً وداخل الأراضي التي يسيطرون عليها.
مع تعزيز موقف الحوثيين، توقفت الجماعة عن الانخراط بجدية في المفاوضات، مما أثار استياء السعودية.
في يوليو/ تموز، هبطت طائرة إيرانية في مطار صنعاء، رغم احتجاجات الحكومة اليمنية، ما دفع السعودية إلى شنّ هجوم على المطار. ثم أعلن الحوثيون حصاراً بحرياً على السعودية في البحر الأحمر، وهو ممر حيوي للنفط السعودي منذ أن أغلقت إيران مضيق هرمز في إذار/ مارس.

ما هو الأثر الإنساني للحرب؟
ألحقت الحرب في اليمن، ولاسيما الحملة الجوية التي يشنها التحالف بقيادة السعودية، دماراً هائلاً بسكان البلاد. فقد قُتل ما لا يقل عن 150 ألف شخص منذ العام 2014 جراء القتال وحده، بينما توفي مئات الآلاف لأسباب أخرى مرتبطة به، كالجوع والمرض. ونزح نحو 4.5 مليون شخص بسبب القتال، ويحتاج أكثر من 18.2 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية عاجلة، وفقاً للأمم المتحدة.
أدى تجدد القتال إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية. وقالت منظمة الصحة العالمية إن الاشتباكات الأخيرة أسفر عنها مقتل أو إصابة أكثر من ألف شخص وتشريد عشرات الآلاف.

الجمعة 11 أيلول/سبتمبر 2026