تقرير / لا ميديا -
تتجه الأنظار نحو سلطنة عُمان حيث يستعد وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي للاجتماع بنظيرهم الإيراني عباس عراقجي في مدينة صلالة الساحلية يوم الاثنين المقبل. ويأتي هذا اللقاء، الذي ترعاه مسقط وتشارك فيه العراق والدول المطلة على الخليج، ضمن مساعٍ إقليمية مكثفة للتتويج بتفاهم مؤقت يحدد مسارات آمنة للملاحة البحرية التجارية عبر مضيق هرمز، وذلك بعد تدهور أمني حاد وانحسار ملاحي غير مسبوق انعكس بصورة مباشرة على أمن الطاقة العالمي وأسواق النفط التي شهدت قفزات استثنائية.
وتأتي المبادرة العُمانية في وقت تشهد فيه حركة الملاحة عبر مضيق هرمز تراجعاً حاداً ومضطرباً نتيجة تصاعد المواجهات البحرية؛ إذ أظهرت بيانات تتبع السفن انخفاض عدد الناقلات العابرة للمضيق إلى سبع سفن فقط يوم الخميس، مقارنة بـ11 سفينة في اليوم السابق، وهو مستوى يقل كثيراً عن المتوسط اليومي المعتاد البالغ 15 سفينة.
وأشارت بيانات شركة «كبلر» لمراقبة الشحن إلى أن سفينتين فقط غادرتا المضيق، إحداهما محملة بالأسمدة والأخرى فارغة، في حين دخلت خمس سفن أخرى تحمل شحنات من الصلب والحبوب والمنتجات النفطية الثقيلة، مع استمرار رجوع العديد من الناقلات إلى إيقاف أجهزة التعرف الآلي (AIS) تجنباً للرصد والاستهداف.
وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، أن الاجتماع المرتقب يمثل تطوراً مهماً لتعزيز الثقة والاستقرار بين دول المنطقة بعيداً عن التدخلات الخارجية، مشدداً على التزام طهران المبدئي بتأمين الملاحة البحرية. غير أن بقائي ربط في الوقت نفسه الاستقرار الكامل بوقف الإجراءات القسرية والحصار الاقتصادي الأمريكي، مشيراً إلى أن المفاوضات الإيرانية العُمانية الثنائية نجحت في رسم أطر مبدئية لممرات آمنة، يُنتظر أن تُعرض على الاجتماع الوزاري الموسع في صلالة لإقرارها وصياغتها كوثيقة رسمية لدى المنظمة البحرية الدولية.
اشتعال أسواق النفط وتداعي الاقتصاد الأمريكي
وعلى وقع الانكفاء البحري وعدم قدرة السفن على الإبحار من مضيق هرمز، شهدت أسواق النفط العالمية ارتفاعات حادة وغير مسبوقة؛ حيث قفزت العقود الآجلة لخام برنت لتتجاوز مستوى 110 دولارات للبرميل، متجهة لتسجيل زيادة أسبوعية بنحو 13% في أكبر قفزة من نوعها منذ أشهر.
كما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي إلى 103.45 دولارا للبرميل، وسط تحذيرات متزايدة من محللين ماليين بإمكانية اختباره مستويات قياسية قد تتجاوز 119 دولاراً للبرميل إذا ما استمر الانسداد الشرياني للملاحة بالمنطقة وتصاعدت حدة الردع الإيراني.
ولم تقتصر تداعيات الأزمة على أسواق الخام العالمية، بل امتدت لتضرب الداخل الأمريكي في صميم قطاعاته الخدمية والمعيشية؛ إذ تجاوز متوسط سعر الديزل في الولايات المتحدة عتبة الـ6 دولارات للغالون للمرة الأولى على الإطلاق، ليسجل 6.06 دولارا بحسب بيانات الجمعية الأمريكية للسيارات (AAA).
وتعود هذه الارتفاعات القياسية إلى تكدس أزمات الإمدادات، بدءاً من التصعيد في الشرق الأوسط، مروراً بالهجمات الأوكرانية على مصافي التكرير الروسية، وصولاً إلى خفض منظمة «أوبك» توقعاتها لنمو الطلب العالمي وتراجع إنتاجها بواقع 640 ألف برميل يومياً خلال الشهر الماضي.
سجال واشنطن وطهران: اتهامات وتكاليف سياسية
أخذت المواجهة بين طهران وواشنطن أبعاداً جديدة هجومية وصدامية؛ إذ اتهم المتحدث باسم الخارجية الإيرانية المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، بتقويض استقلالية الوكالة وتحويل تقاريرها الفنية إلى غطاء للتحريض على العدوان العسكري واختلاق الذرائع السياسية.
وفي السياق ذاته، استغل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الاعترافات الصادرة عن القائم بأعمال وزير البحرية الأمريكية، هونغ كاو، حول الأضرار الجسيمة التي لحقت بالبنية التحتية البحرية للأسطول الخامس في البحرين، ليؤكد أن دك المقر الأمريكي جاء رداً مستحقاً على دعم واشنطن للعدوان، متسائلاً عن الجدوى من تحميل الأمريكي فاتورة الحروب الصهيونية.
من جهتها، كشفت وسائل إعلام أمريكية، نقلاً عن مجلة «ذا أتلانتيك»، عن حالة من الإحباط والغضب تسود البيت الأبيض جراء فشل سياسة الضغوط القصوى في إخضاع إيران أو شل قدراتها.
وأفادت المصادر بأن إدارة دونالد ترامب تسعى بشتى الطرق للخروج من مستنقع التصعيد، في ظل مخاوف عارمة من التداعيات الاقتصادية الشديدة على الداخل الأمريكي مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
وفي خطوة أثارت جدلاً واسعاً وانقساماً حاداً داخل الأوساط السياسية والاقتصادية الأمريكية، أعلن ترامب خلال مؤتمر انتخابي في دالاس عن وعد بمنح كل مواطن أمريكي بالغ مبلغ 5 آلاف دولار تحت مسمى «مكافأة ترامب»، شريطة احتفاظ الحزب الجمهوري بأغلبيته في الكونغرس.
وبينما وصفت القوى الديمقراطية هذا العرض بـ«الرشوة السياسية» المكشوفة التي ستضيف نحو 1.22 تريليون دولار إلى كاهل الدين العام الذي تجاوز 40 تريليون دولار، اعتبره مراقبون محاولة يائسة لتسكين الشارع الغاضب من ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة الناجمة عن المغامرات العسكرية الخارجية.
مساعي خفض التصعيد ومواقف القوى الإقليمية
وأمام هذا الانسداد الاستراتيجي، كثفت طهران اتصالاتها الإقليمية والدولية؛ حيث أجرى عراقجي محادثات مكثفة مع قائد الجيش الباكستاني تناولت سبلاً لخفض التصعيد العسكري واستكشاف فرص العودة إلى مسار المفاوضات.
كما فتحت طهران خطوط تواصل مع كوريا الجنوبية لدراسة استقرار الملاحة وتأمين خطوط الإمداد التجاري الحيوية دون الانخراط في الحصار الأمريكي.
وعلى الصعيد التنموي والاستراتيجي، توجّه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى الهند للمشاركة في قمة مجموعة «بريكس»، معلناً أن التكتل يسعى لكسر الهيمنة المالية الغربية والأحادية الأمريكية عبر تعزيز التعاملات بالعملات المحلية وتسهيل الاستثمارات المشتركة بعيداً عن هيمنة الدولار.
وأكد بزشكيان أن موقع إيران الجغرافي ومواردها الهائلة تجعلها ركيزة أساسية لربط دول التكتل، مشدداً على أن تحقيق الأمن الاقتصادي الإقليمي بات ضرورة غير قابلة للتجزئة عن الأمن القومي والدولي، وأن طهران لن تسمح للضغوط الأمريكية بتعطيل دورها المحوري.










المصدر لا ميديا