ملحق «لا» 21 السياسي - العدد (1927)
- تم النشر بواسطة «لا» 21 السياسي
لحظة فارقة.. السقوط والبديل
علي عطروس
في ظلالِ الحربِ التي لا تُبقي ولا تَذَر، وفي زمنٍ تَتهاوى فيه الأقنعةُ أسرعَ مما تتهاوى الجيوشُ، يأتيكم هذا العدد من ملحق «21 أيلول السياسي»، لا كمجردِ صحيفةٍ تُسجِّل الحدث، بل كشاهدٍ على لحظةٍ فارقةٍ في تاريخِ أمتنا.
نحنُ هنا، في صنعاءَ التي صمدتْ، ومن صنعاءَ التي تَرى العالمَ بعينٍ يقظة، نُعيدُ طرحَ السؤالِ الأزلي: لماذا يُريدونَ لنا أن نصدقَ أن القوةَ هيمنةٌ، وأن الاستسلامَ سلام؟!
في هـذا العدد، نقرأُ معاً كيـفَ يَنْكَشِفُ «المنتصـرُ» المزعـوم؛ فالبنتاغـــــــون، الذي كانَ يُهدِّدُ بإعادةِ ترتيبِ «الشرقِ الأوسط»، يَخرجُ اليومَ بـ«بقالةٍ» فارغة؛ نصفُ مخزونه من الباتريوت انتهى، ورُبعُ أسطولِهِ البحريّ عاجزٌ عن الحركة... ونقرأُ كيفَ يتحوَّلُ «الحليفُ» الخليجيّ إلى ورقةٍ يابسة، تَبيعُ أصولَها وتَستدينُ لتحميَ عرشاً تهتزُّ من تحتِهِ الأرض.
لكننا لا نكتفي بتوثيقِ السقوط؛ نحنُ نفتشُ عن البديل؛ ففي هرمز وبابِ المندب، تُعادُ كتابةُ الجغرافيا، ليسَ بإذنِ واشنطن، بل بإرادةِ شعوبٍ قرَّرتْ أن تَملأَ الفراغَ بدمائِها وصواريخِها وصمودِها. وفي الفضاءِ الرقميّ، حيثُ تُحاصِرُنا «أحصنةُ طروادة» الصهيونيةُ بأسماءٍ عربيةٍ مُستعارة، نَكشِفُ للقارئ كيفَ يَكونُ الاختراقُ الإدراكيّ أخطرَ من الاختراقِ العسكريّ.
وفي مواجهةِ «القصفِ الإعلاميّ المركَّز» للعدو، نطرحُ سؤالَ الرواية: لماذا نبقى دائماً في موقعِ المُدافعِ عن نفسِه، بينما يَصنعُ العدوُ أجندتَهُ من فراغ؟! ونقرأُ في «أنثروبولوجيا الاغتيال» كيفَ يَصيرُ الجسدُ المُبتورُ وثيقةً مزوَّرةً، والصاروخُ الدقيقُ آلةً لإنتاجِ الجهلِ لا المعرفة.
هذا العددُ، أيها القارئ، هو دعوةٌ لقراءةٍ مُغايرة. ليستْ مهمتُنا أن نُسجِّلَ الحربَ كما يريدونَها، بل أن نَكشِفَ الحربَ التي يَخوضونَها ضدَّ وعينا. فالموتُ الذي يأتي من السماءِ صاروخاً سَنَصمدُ لهُ كما صمدَ إخواننا؛ لكنَّ الموتَ الذي يأتي من داخلِنا روايةً مُسمومةً هو الذي يَجبُ أن نَقتلَهُ قبلَ أن يَقتُلَنا.
في «21 أيلول السياسي»، نتذكَّرُ أن الثورةَ ليستْ تاريخاً ماضياً، بل هي اختيارٌ يوميّ؛ أن نَرفضَ الروايةَ المُفروضة، وأن نَبنيَ روايتَنا بأقلامٍ لا تَنثني، وعيونٍ لا تَغفو عن الحقيقة.
اختبار المهزوم واختيار المنتصر.. جدلٌ مؤجل!
لم يعد خافياً أن العالم يعيش لحظةً فَارقة للغاية؛ لحظة لا تكشف فيها الحروبُ الأقوياء فحسب، بل تكشفُ الضعفاءَ أيضاً: ضعف المنطق، ضعف الأقنعة، ضعف «القيم» التي تُباع في أسواق لندن ونيويورك.
في البيت الأبيض، يقف رجلٌ يُدعى فانس ليُعلنَ بكل بساطة أنه مستعدٌّ لنهاية العالم؛ لا مجازاً، ولا شعراً، بل إيماناً إنجيلياً متطرفاً يربطُ بين السلاح النووي ضد إيران و«نهاية الزمان». هنا، لم تعد السياسة الأمريكية هيمنةً استعماريةً فحسب، بل صارت مشروعاً دينياً مجنوناً يقودُ البشريةَ إلى حافة الهاوية. في الوقت ذاته، يتراجع ترامب عن الرد على الضربات الإيرانية في هرمز، منكشفاً من جديد كالدمية التي يحركها ملف إبستين وغضبُ الشارع وأسعارُ النفط.
في هرمز، حيث تشتعل الناقلاتُ ويصعدُ السعرُ إلى 97 دولاراً، تتكشف «نهاية الشرق الأوسط الأمريكي». ليس انتصاراً مذهبياً كما يريد البعض تصويره، بل انهيار هيمنةٍ فشلت في بناء نظامٍ عادل. إيران، التي صمدت ستةَ أشهرٍ بوجه الحصار والاغتيالات، تثبتُ أن الممانعة ليست شعاراً، بل قدرةٌ استراتيجية، خاصة مع نقل روسيا تقنيات صواريخ كروز أسرع من الصوت، في تحالفٍ يُعيد رسمَ موازين القوى.
لكن الانهيار ليس عسكرياً فحسب؛ ففي الرياض، تتحول «رؤية 2030» إلى كابوسٍ مالي: بيع الأصول، واستدانة البنوك، وعجز يصل إلى 9 مليارات دولارات... الحصارُ أغلقَ بابين، فانهارت صادراتُ النفط بنسبة 25 ٪ وسقطت أوهامُ القوة.
وفي كاراكاس، تُوقَّع صفقةُ العار: 65 مليار برميل (رُبعُ احتياطي فنزويلا) تُسلَّمُ لأمريكا مقابل حماية سلطةٍ هشة. ليست هذه تجارةً، بل استعمار تعاقدي جديد خرج من رحم الغزو والعقوبات، يمنحُ واشنطن ما لم تحصلْ عليه بالحروب: ثروةَ شعبٍ بأكمله دون طلقةٍ واحدة.
وفي غزة، تستمرُّ الإبادةُ الجماعية، ونساءُ فلسطين يقفنَ أمام بن غفير يشتكين من حرمانهن من أبسط حقوق الإنسان، في مشهدٍ يكشفُ وحشيةَ الاحتلال وذلَّ الصمت العربي. وفي لندن، تتكشفُ «الخطوط الحمراء»: ممثلٌ ايرلنديٌّ يتعرض لهجمة بسبب رفضه التعامل مع مؤيدة للإبادة، ومذيعة (BBC) تُدان لأنها وصفتَ الجريمةَ باسمها، فيما يتضامن مئتا فنانٍ أجنبيٍّ مع مروان البرغوثي، مقابل صمتٍ مريبٍ للفنانين العرب.
وفي الفضاء الرقمي، تخوضُ «إسرائيلُ» حرباً نفسيةً منظمةً عبر 700 حسابٍ عربيٍّ مزيف وبرامج تطوعية، بهدف تفكيك البنية الاجتماعية العربية. وفي الفضاء الافتراضي، يتحولُ الذكاء الاصطناعي إلى قرصانٍ متخفٍّ عبر ملفات «المهارات» الملغومة.
هذا هو العالم اليوم: احتلالٌ رقميٌّ ونفطيٌّ وعسكريٌّ، وجنونٌ دينيٌّ يتصدرُ البيت الأبيض، وازدواجيةٌ غربيةٌ تُجرم وصفَ الإبادة بالإبادة. لكن، في مواجهة هذا كله، يبقى السؤال: هل نكتفي بتوثيق السقوط، أم نبني بديلاً؟ إن كان تراجعُ الهيمنة الأمريكية حقيقةً، فالاختبار ليس في: مَن «انتصر»؟ بل في: ماذا سنبني بعد أن تسقطَ الأقنعة؟!!
القصف الإعلامي المركّز.. من العشوائية إلى غرفة القيادة
الإعلام المقاوم ينشر كثيراً، ويؤثر قليلاً. هذه هي الحقيقة التي لا يريد أحد أن يقولها بصوت عالٍ.
تأتيك عشرات المنصات تردّ على نتنياهو في النهار، وتُبرّر في الليل، وتدافع في الفجر، ثم تستيقظ لتجد أن العدو قد حدّد الأجندة من جديد. نحن ننتظر الاتهام، فنردّ. ننتظر الرواية، فنُفنّد. ننتظر السؤال، فنُجيب... وبهذا، نبقى دائماً في موقع المتهم الذي يشرح نفسه.
لكن، هل جرّب أحد أن يقلب الطاولة؟!
النموذج الصحيح -وفق ما يُسمّيه الباحثون «القصف الإعلامي المركّز»- ليس أن تقول الشيء نفسه عشر مرات، بل أن تجعل الجمهور يلتقي الفكرة نفسها عشر مرات، من خلال عشرة قوالب مختلفة، وعشر منصات متنوعة، في توقيتٍ واحدٍ مدروس. قضية واحدة، أدلة متعددة، ضخ متكرر، وهجوم لا دفاع.
المشكلة أن إعلامنا اليوم يشبه «إطلاق النار العشوائي في كل الاتجاهات»: ضجيج عالٍ، وأثر محدود. والسبب؟! التفرق؛ كل منصة تعمل لحسابها، كل قناة تضع أولوياتها... والنتيجة: العدو يُطلق رواية واحدة، فيأتينا مئة ردّ مبعثر، لا يترك أثراً.
الحل ليس في إلغاء التعددية، بل في غرفة قيادة للرواية؛ منظومة تعرف متى ترفع الصوت، وعلى أي قضية، ولمدة كم، ومتـــى تنتقـــل إلى المعركة الإعلامية التالية... إعلام يضع الأجندة بدلاً من أن ينتظرها، ويطرح الأسئلة على الخصم بدلاً من أن يُجيب على أسئلته.
وهنا يأتي دور الدبلوماسية الإعلامية؛ حين يصبح الإعلام ورقة تفاوض حقيقية، لا مجرد «مكبر صوت». فالسؤال ليس: كم نشرنا اليوم؟ بل: ما الذي تغيّر بسبب ما نشرناه؟
أما مسألة «الدعوة إلى السلام» –التي يحاول العدو تأطيرها على أنها ضعف– فهي بحاجة إلى إعادة تعريف؛ نحن ندعو إلى وقف الحرب لا لأننا عاجزون عن الرد، بل لأننا نرفض أن يحدّد الخصم وحده قواعدها. السلام هنا ليس تسوّلاً، بل اختيار التوقيت.
وفي النهاية، الإعلام الذي لا يُجبر العدو على الرد، ولا يُنتج كلفة سياسية، ولا يصنع نقاشاً عاماً، هو «صوت بلا ظل». والمطلوب اليوم ليس صوتاً أعلى، بل رواية أذكى.
* استناداً إلى: د. محمد شمص، «القصف الإعلامي المركّز: حين تصبح الرواية جزءاً من ميزان القوة»، موقع «الخنادق»
الذراع الواحدة والصاروخ العجوز..قراءة في أنثروبولوجيا الاغتيال وتكنولوجيا الرواية
*تعليقاً على مقال «صداع جديد وقاتل: تحالف إرهابي بين القاعدة والحوثيين»- «وول ستريت جورنال»
* ملخص مقال «وول ستريت جورنال»:
غارة جوية أمريكية في 12 فبراير 2026 تستهدف سيارة «تويوتا كورولا» على شاطئ الغيضة اليمنية، فتقتل الصومالي «جبريل يحيى علي» الملقب بـ«ذي الذراع الواحدة»، الذي كان يقضي «شهر العسل» مع زوجته اليمنية «بدور». ويزعم المقال -استناداً إلى «مسؤولين أمريكيين وصوماليين ويمنيين» وتصريحات للجنرال داغفين أندرسون (قائد القوات الأمريكية في أفريقيا)– أن جبريل كان «حلقة الوصل» بين الحوثيين في اليمن و«حركة الشباب» الصومالية المرتبطة بالقاعدة، وأنه هندس صفقة تبادل أسلحة وتدريبات شملت «نحو 400 عنصر صومالي» تلقوا تدريباً في مناطق حوثية، و«مهندسين حوثيين» سافروا إلى «جلب» جنوب الصومال مقابل أموال تلقوها والسماح بنشر رادارات في الصومال. ويخلص المقال إلى تحذير من أن هذا «التحالف الإرهابي» يُهدد الملاحة في باب المندب وخليج عدن، ويُقدّم المبرر لإعادة انتشار القوات الأمريكية في القرن الأفريقي.
* الكاتب: مايكل إم. فيليبس (Michael M. Phillips)، مراسل عسكري وأمني مخضرم في «وول ستريت جورنال»، متخصص في الشؤون الدفاعية والاستخبارات الأمريكية.
* الصحيفة: «وول ستريت جورنال» (The Wall Street Journal)، صحيفة يومية أمريكية محافظة، مملوكة لروبرت مردوخ عبر «نيوز كورب»، وتُعد لسان حال الحزب الجمهوري ورأس المال الأمريكي الكبير.
* العنوان بالإنجليزية:
Washington's Deadly New Headache: an al Qaeda-Houthi terrorist alliance
* العنوان بالعربية:
«صداع جديد وقاتل: تحالف إرهابي بين القاعدة والحوثيين».
* تاريخ النشر: 1 سبتمبر 2026.
* مقدمة: الجسد كمدخل
لم يُعرَف اسم الرجل الكامل إلا بعد موته. لكن لقبه كان واضحاً من البداية: «ذو الذراع الواحدة».
وهنا، في هذه التفصيلة الدقيقة، تكمن بوابة القراءة المغايرة. لماذا يُقدّم لنا فيليبس بطل روايته بجسد ناقص، جسدٍ مبتور؟ ولماذا، في لحظة الاغتيال، يختار الصاروخ الأمريكي (R9X) –تلك الآلة القاتلة ذات الشفرات الدوّارة- أن يأخذ منه الذراع الأخرى، فيتركه «بلا ذراعين»؟
إنها ليست مجرد صورة بلاغية؛ إنها «أنثروبولوجيا الاغتيال»: كيف ينتج الغربُ العدوَّ جسداً قبل أن يُنتجه روايةً؟! فالجسد المبتور هنا ليس مجرد وصف، بل هو «علامة» تسبق النص. جبريل، قبل أن يكون «إرهابياً» أو وسيطاً أو عريساً، كان جسداً معيباً في نظرة المؤسسة العسكرية الأمريكية. والجسد المعيب، في المنطق الاستعماري، هو جسد يستحق الموت مرتين: مرة بالتشويه الرمزي، ومرة بالصاروخ.
* الصاروخ «المفك» والرواية المبتورة
يبدي فيليبس إعجابه بصاروخ (R9X) حين يصفه بأنه يمزق السيارة «كما لو كانت فتاحة علب مُسلّحة». لكن هذا الوصف، الذي يُقرأ غالباً على أنه مجاز بلاغي، هو في الحقيقة كشف عن العلاقة بين التكنولوجيا والرواية.
صاروخ (R9X) -المعروف بـ«الصاروخ النينجا»– صُمم ليقتل بدون انفجار، شفراته الدوّارة تفتح السطح كالجراحة. وهذا هو المفتاح: القتل الجراحي الدقيق يُنتج رواية كليّة مبهمة. فالصاروخ الذي يفتّش عن هدفه بالملليمتر، ويميز بين الراكب والسائق، يُقدّم نفسه كـ«عقلانية» و«أخلاقية»، بينما الرواية التي تُبنى حوله هي عكس ذلك تماماً: رواية عامة، مبهمة، لا تميز بين «الحوثي» والقاعدة، بين الزيدي والسلفي، بين اليمن والصومال...
إنها «بارادوكس التكنولوجيا»؛ كلما زادت دقة القتل، زاد غموض الرواية. الصاروخ «يفتح» السيارة كالجّراح؛ لكنه يغلق القصة كالقاتل. فالصاروخ الدقيق لا يحتاج إلى دليل، لأنه يُقدّم نفسه كدليل. الجثة الممزقة هي «البرهان» على أن «العدو» كان موجوداً، وكان خطيراً، وكان يستحق الموت. وهكذا، فإن (R9X) ليس مجرد سلاح، بل هو آلة إنتاج معرفة؛ هو الذي يُعلن عن وجود «التحالف» قبل أن يُثبت ذلك التحقيق.
* «بُدور».. المرأة التي رن هاتفها ولم تتكلم
في المقال الأمريكي، مرّ اسم «بدور علي» (زوجة جبريل اليمنية) كتفصيل زخرفي درامي. لكنني أرى فيها «الثقب الأسود في الرواية». فهي المرأة التي:
- تزوجت رجلاً صومالياً مبتور الذراع، وكانت معه في «شهر العسل»... رنّ هاتفها، فنزلت من السيارة، نُقلت «سراً» بعد الاغتيال، ثم اختفت تماماً من الرواية.
لماذا اختفت بدور؟! لماذا لم تُستجوب؟! لماذا لم تظهر في أي تقرير لاحق؟! ولماذا، في لحظة الحدث، كان هاتفها هو الذي رنّ، فأوقف السيارة؟!
هنا، يمكن قراءة «بدور» كـ«رمز للنسيان الاستراتيجي». فالمرأة في الرواية الأمريكية لا يمكن أن تكون شاهدة؛ هي إما ضحية (تستحق الشفقة) أو خطر (تستحق الريبة). لكنها هنا، في لحظة الاغتيال، كانت «السبب اللوجستي» لتوقف السيارة. الهاتف الذي رنّ كان «فخاً»، أو ربما كان إشارة؛ لكن الرواية تتجاهل هذا التفصيل، لأن إدراك دور المرأة كفاعل-حتى لو كان فاعلاً سلبياً- يعني إدراك أن الاغتيال كان عملية منظمة، لا «ضربة حظ».
«بدور» التي نُقلت «سراً» هي الشاهدة الوحيدة التي يمكن أن تُفسّر: من كان على الهاتف؟! لماذا توقفا في ذلك المكان بالتحديد؟! هل كان جبريل يعلم أنه مستهدف؟ وهل «شهر العسل» كان حقيقياً، أم كان غطاءً للقاء؟
اختفاؤها ليس تفصيلاً إنسانياً (أنقذوها من الموت)، بل هو إزالة للشاهد الوحيد الذي يمكن أن يُفسد الرواية. فالمرأة الحية، بخلاف الرجل الميت، يمكن أن تتكلم. ولهذا، فإن «إنقاذها» كان في الحقيقة اختطافاً للحقيقة.
*الزمن السردي - من فبراير إلى سبتمبر وكيف يُعاد إنتاج الموت؟
تبدأ الرواية في «أمسية دافئة من فبراير»، وتنتهي بنشرها في الأول من سبتمبر. هذه الفجوة الزمنية (سبعة أشهر) ليست مجرد تأخير صحفي. إنها «زمن التخمير السياسي».
فبراير 2026: الاغتيال.
سبتمبر 2026: النشر.
ماذا حدث بينهما؟
- الحرب الأمريكية على إيران –التي اندلعت في 28 فبراير- فشلت، بعد ستة أشهر من القصف، واستنزفت الذخائر الأمريكية.
- تقارير عن نية واشنطن سحب قواتها من الخليج وإعادة انتشارها.
- «أرض الصومال» (صومالي لاند) حصلت على اعتراف «إسرائيلي» رسمي في ديسمبر 2025.
- رئيس «صومالي لاند»، عبد الرحمن محمد عبد الله «إيروه»، زار القدس في يونيو 2026، ويتوجه إلى واشنطن في سبتمبر طالباً الاعتراف الأمريكي، بحسب ما أفادت هيئة البث الصهيونية «كان».
لكن هناك ما هو أعمق: الموت في فبراير كان حدثاً، أما الموت في سبتمبر فهو «خبر». والفرق بين الحدث والخبر هو أن الخبر يُنتج من يملك حق تفسير الحدث. في فبراير، مات جبريل كإنسان. في سبتمبر، وُلد جبريل كـ«رمز». وهذا هو «الزمن الاستعماري»: سرقة الحاضر (الموت) وإعادة إنتاجه في المستقبل (الرواية) بما يخدم المستعمر.
الرواية الأمريكية لا تروي ما حدث في فبراير، بل تروي ما يحتاج أن يحدث في سبتمبر. ولهذا، فإن «شهر العسل» ليس مجرد خلفية درامية، بل هو إيقاع زمني: فترة الراحة والحياة التي يجب أن تُقاطع بالموت. فالعدو في الرواية الغربية لا يمكن أن يكون إنساناً عادياً (يحب، يتزوج، يسافر...)، بل يجب أن يكون دائماً في حالة «خطر وشيك». وشهر العسل هنا هو اللحظة التي يجب أن تُنتهك لإثبات أن العدو لا يستحق الحياة.
* الجغرافيا المعكوسة - من صعدة إلى الصومال كمرآة استعمارية
تقول الرواية إن «الحوثيين» «يُصدّرون الخبرة» إلى الصومال. لكن هذا السرد يُخفي «الانعكاس الجغرافي». الحقيقة أن الاستعمار الأمريكي يُعيد إنتاج نفسه من الصومال إلى اليمن، لا العكس.
فبربرة (صومالي لاند) التي تريد أمريكا و«إسرائيل» تحويلها إلى قاعدة عسكرية، هي «صعدة معكوسة»: صعدة الجبال التي حاصرتها السعودية لعشر سنوات، تُعاد صياغتها الآن كـ«بربرة الساحل» التي تستضيف الأسطول. و«الحوثيون»، الذين وُصفوا بـ«المحاصَرين في الجبال»، يُصوَّرون فجأة كـ«مُصدّرين للإرهاب»، لأن الرواية الاستعمارية لا تستطيع أن تتصور المحاصَر إلا إذا كان خطيراً، والخطير إلا إذا كان مُتمدداً.
إنها «جغرافيا المرآة»؛ نحن لا نقرأ عن اليمن والصومال، بل نقرأ عن أمريكا و«إسرائيل». فالحوثيون في الرواية الأمريكية ليسوا «أنفسهم»، بل هم صورة معكوسة لما تخافه واشنطن: فاعل مستقل يتحكم في ممر بحري. و«الصومال» ليس الصومال، بل هو الفراغ الجغرافي الذي يجب أن يُملأ بالقواعد.
*مردوخ واقتصاد الكلمة - حين يصبح «المفك» مصنعاً
لماذا «وول ستريت جورنال» تحديداً؟! الجواب السهل: لأنها جمهورية، محافظة، تملكها مردوخ. لكن الإجابة المغايرة تكمن في «اقتصاد الكلمة».
روبرت مردوخ لا يملك صحيفة، بل يملك «نظام توزيع الخوف». و«الفتاحة المُسلّحة» ليست مجازاً بلاغياً، بل هي منتج إعلامي: فتاحة العلب أداة يومية رخيصة، وإضافة «المُسلّحة» إليها تُحوّل الاغتيال من جريمة إلى «عملية يومية». هذا هو «العنف المُعمم» (Banalization of Violence): جعل الموت بصاروخ أمريكي أمراً عادياً، مثل فتح علبة سردين.
لكن هناك ما هو أعمق: «وول ستريت جورنال» صحيفة «المال والأعمال». وفي اقتصاد السلاح، فإن الرواية عن «التحالف الإرهابي» هي بضاعة تُباع لشركات الأمن، وشركات النفط، وشركات بناء القواعد. فكلما ضخّم التقرير «الخطر»، تضخّمت الميزانيات. وكلما تضخّمت الميزانيات، تضخّمت الأرباح. وهكذا، فإن «الصداع القاتل» ليس صداعاً عسكرياً، بل صداع اقتصادي، صداع يُنتج الأموال.
* الخاتمة: من يملك الذراع الأخيرة؟
في النهاية، يبقى السؤال: من يملك الذراع الأخيرة؟
جبريل دخل الرواية «ذو الذراع الواحدة»، ومات «بلا ذراعين». لكن الرواية التي خرجت من تحت الصاروخ كانت بـ«أذرع» متعددة: ذراع عسكرية (تبرير القواعد)، وذراع إعلامية (تضخيم الخطر)، وذراع سياسية (الاعتراف بصومالي لاند)، وذراع اقتصادية (بيع السلاح).
أما نحن -القراء- فنملك الذراع الأخيرة: ذراع السؤال؛ فالسؤال ليس فقط: «من قتل جبريل؟»، بل: «لماذا يُريدوننا أن نصدق أنهم قتلوا جبريل؟»، و«ماذا يكسبون من موته؟».
الرواية الأمريكية تريد أن نرى في جبريل «الوسيط» بين «الحوثي» و«القاعدة»؛ لكن القراءة المغايرة تريدنا أن نرى فيه الوسيط بين الحقيقة والفبركة: رجل مات قبل أن يتكلم، فصار جسده وثيقةً مزورة، وصار صمته شهادةً مُلصقة، وصار موته بدايةً لحربٍ لم تُعلن بعد.
وفي هذا الجزء من العالم، لم تعد المشكلة أن هناك من يملك الصواريخ؛ المشكلة أن هناك من يملك تعريف العدو، وتعريف الجسد، وتعريف الزمن، وتعريف الجغرافيا. ومن يملك هذه التعريفات، يمكنه أن يقتل من دون أن يُحاكَم، وأن يحتل من دون أن يُحاصَر، وأن يُعيد رسم الخريطة من دون أن يحمل قلماً.
أما جبريل، فقد دُفن بلا ذراعين. لكن الرواية التي خرجت من قبره تمتد بأذرعها إلى البحر الأحمر، وخليج عدن، وباب المندب، و»صومالي لاند»، وواشنطن، و«تل أبيب».
والسؤال الأخير -الذي يجب أن يُكتب بحبر أحمر على جدار كل رواية عن هذا الجزء من العالم- ليس: «هل التحالف حقيقي؟»، بل هو: «هل نحن أمام رواية عن الحرب، أم أمام حرب عن الرواية؟»!!
أحصنة طروادة الرقمية.. من «هرتزليا» إلى «مساعدك الذكي»
في زمنٍ لم يعد فيه الغزو مقتصراً على أساطيل الجند وجنازير الدبابات، باتت السيادة الوطنية تُستلب يومياً عبر شاشاتنا المضاءة بخبث. نحن أمام جبهة مفتوحة تُهندس فيها الهزيمة من الداخل، إذ تتلاقى أهداف غرف الاستخبارات الصهيونية مع أطماع قراصنة الفضاء الرقمي في مسعى واحد: اختراق بيئتنا العقلية، واستباحة حصوننا السيبرانية، وتحويلنا إلى مجرد بيادق في رقعة استهلاك ساذجة.
* الصهيونية في جيبك: تفخيخ الوعي بأسماء عربية مستعارة
لم يجد العقل الصهيوني المأزوم أمام صمود محور المقاومة سوى التسلل من شقوقنا الاجتماعية. ماكينة الدعاية «الهاسبارا»، مدججة بكتائب من علماء النفس وطلاب متطوعين من جامعة «هرتزليا» (مشاريع مثل Act.IL ومجموعة أرخميدس)، ترتدي اليوم كوفيات رقمية وتتحدث بلسان عربي مبين، لا لشيء إلا لكيّ الوعي. يخلقون آلاف الحسابات الوهمية لإغراقنا في مستنقع الهويات الفرعية (طائفية، عرقية، مناطقية...)، وتحويل اهتمامنا نحو قضايا هامشية، واختراع أعداء جدد كي ننسى عدونا الوجودي الأوحد. بسخرية فجّة، يمدحونك اليوم بحساب يحمل اسم «أبو المجد»، ليشككوك غداً في جدوى المقاومة، ويطعنوا في حاضنتك الوطنية بضربات نفسية مدروسة سلفاً في أروقة «الموساد»، كما يخلص الدكتور وليد عبدالحي.
* «مساعدك الذكي».. طابور خامس برتبة خادم مطيع
في موازاة هذا الاستلاب الإدراكي، تُستكمل حلقة الاختراق عبر استلاب بياناتك بمباركتك، كما فصل ذلك علي عواد في «الأخبار» اللبنانية. هذا «الوكيل الذكي» للذكاء الاصطناعي الذي تمنحه صلاحيات مطلقة في جهازك ليوفر عليك بضع دقائق من العمل، ليس سوى جندي أعمى قد يطعنك في ظهرك بورقة تعليمات بسيطة (Skill.md). بمجرد إدراج «وصفة» مسمومة مكتوبة بلغة إنجليزية عادية ضمن مهارات المساعد الذكي، يتحول هذا الخادم المطيع إلى قرصان محترف؛ يجمع كلمات مرورك، يسرق ملفاتك، ويقدم مفاتيح أسرارك على طبق من ذهب لجهات خارجية دون أن تطلق برامج الحماية لديك صافرة إنذار واحدة. السذاجة التي تجعلنا نثق بملف مجهول المصدر، هي ذاتها التي تجعلنا نبتلع الرواية الصهيونية الممررة عبر حساب وهمي.
إن معركة السيادة الوطنية غير قابلة للتجزئة؛ فالتفريط في سيادتك الرقمية والمعرفية لصالح خوارزميات مشبوهة ومساعدات ذكية مُفخخة، هو تمهيد لسقوط المتاريس على الأرض. الخنادق اليوم تمتد من الجبهات المشتعلة إلى سطور البرمجة ومنصات التواصل. والمقاومة الحقة تبدأ من وعيٍ لا يُخترق، وعينٍ لا تساوم على حقيقة المعركة، وصمودٍ لا يلين أمام طائرات العدو في السماء ولا أمام «أحصنة طروادته» المتخفية في هواتفنا.










المصدر «لا» 21 السياسي