خاص / لا ميديا -
في تطور جديد لقضية شحنة بذور البطاطس المستوردة المصابة بمرض "العفن البني"، والتي أُدخلت إلى محافظة ذمار أواخر نيسان/أبريل الماضي بغرض تحويلها إلى سماد عضوي، كشفت وثائق رسمي حصلت عليها "لا"، أن اللجنة الفنية المكلفة بالتحقق من مصير الشحنة ومن إجراءات إتلافها لم تتمكن من تنفيذ المهمة التي شُكلت من أجلها؛ إذ مُنعت من النزول الميداني وأخذ العينات التي كان يفترض أن تحسم الجدل علمياً.
وفي حين حذّر مختصون في البيئة والتغير المناخي، في تصريحات لـ"لا"، من أن استمرار التعامل مع القضية بهذا الشكل ينذر بـ"كارثة" بيئية وزراعية تهدد الأمن الغذائي الوطني لعقود، يكشف التقرير الرسمي المرفوع إلى وزير الصحة والبيئة، الدكتور علي عبدالكريم شيبان، عن سلسلة من الوقائع التي تعزز المخاوف بشأن كيفية إدارة هذا الملف، وتبرز تناقضات في الروايات الرسمية، فضلاً عن تعطيل إجراءات التحقق الفني المستقل.
وقال المختصون إن هذه القضية، التي مر على إثارتها أربعة أشهر، "لا تحتمل التهاون أو الاجتهاد"، مؤكدين أن أي تأخير في تطبيق الإجراءات العلمية والقانونية المعتمدة قد يؤدي إلى انتشار أحد أخطر الأمراض الحجرية بصورة يصعب احتواؤها لاحقاً، وهو ما يستوجب -بحسب وصفهم- تحركاً عاجلاً قبل أن تتحول القضية إلى أزمة وطنية طويلة الأمد.

مضامين الوثيقة
وتكشف الوثيقة الرسمية، التي تنشر "لا" أبرز مضامينها، أن اللجنة الفنية شُكلت استجابة لبرقية صادرة عن جهاز الأمن والمخابرات برئاسة الجمهورية، بتاريخ 24 أيار/مايو 2026، بضرورة تكليف فريق مختص للنزول إلى المناطق التي يُعتقد بتلوثها في محافظة ذمار، واتخاذ الإجراءات اللازمة بشأن شحنة بذور البطاطس المستوردة والمصابة بالعفن البني.
وضمت اللجنة عدداً من المختصين في الهيئة العامة للبيئة والتغير المناخي، برئاسة وكيل الهيئة عابد طاووس، وعضوية رئيس المكتب الفني المهندس علي الذبحاني ومديري الإدارات الفنية والقانونية المختصة، وحددت خطة عمل واضحة تبدأ باللقاءات مع الجهات المعنية، ثم النزول الميداني إلى موقعي قاع شرعة وقاع يفاع بمحافظة ذمار، وجمع عينات من التربة والمحاصيل والسماد العضوي الذي يُعتقد أنه أُنتج من الشحنة، قبل إعداد التقرير الفني النهائي.
وبحسب التقرير، بدأت اللجنة لقاءاتها بالقائم بأعمال وزير الزراعة في صنعاء، الذي أكد لها أن الشحنة "لم تكن مصابة بالعفن البني"، وأن نتائج فحص مختبر وزارة الزراعة أفاد بإصابتها بهذا المرض، من أصل ستة مختبرات أخرى لم تُبين الإصابة، مضيفاً أن "الشحنة أُتلفت بالكامل ولم يتم تحويلها إلى سماد عضوي". كما وعد بتزويد اللجنة بجميع الوثائق وتقارير الفحوصات.
وأوضح التقرير أن تلك الوثائق لم تُسلَّم للجنة حتى تاريخ رفع التقرير إلى وزير الصحة بتأريخ 9 حزيران/ يونيو الماضي، رغم الوعود المتكررة.
ولفتت اللجنة إلى أن الهيئة العامة للبيئة والتغير المناخي كانت قد خاطبت وزارة الزراعة بمذكرة رسمية بتأريخ 7 حزيران/ يونيو الماضي، وضحت فيها الإجراءات القانونية لعمل اللجنة وفقاً لقانون حماية البيئة رقم (26) لسنة 1995م، وسبق ذلك مذكرة أخرى بتأريخ 4 أيار/ مايو، طالبت فيها الهيئة بالإيقاف الفوري لأي نقل أو معالجة أو تحويل للشحنة إلى سماد، والتحفظ على الكمية المتبقية حتى تتولى الفرق المختصة التعامل معها وفقاً للقانون.
لكن التطور الأبرز -وفقاً للتقرير- جاء أثناء نزول اللجنة إلى محافظة ذمار في 7 حزيران/ يونيو، حيث عقدت اجتماعاً مع محافظ المحافظة محمد البخيتي، الذي قدم رواية مختلفة تماماً عن رواية وزارة الزراعة.
فبحسب التقرير، أكد المحافظ أن الشحنة لم تُتلف، وإنما "تم تحويل كامل الكمية، البالغة 139 طناً، إلى سماد عضوي" بواسطة شركة تعمل في هذا المجال، دون أن يوضح ما إذا كان السماد قد تم توزيعه أو بيعه.
وهنا تظهر واحدة من أبرز نقاط التناقض في القضية؛ إذ يسجل التقرير بصورة صريحة وجود اختلاف بين إفادة القائم بأعمال وزير الزراعة، الذي أكد إتلاف الشحنة، وبين تصريح محافظ ذمار الذي أكد تحويلها إلى سماد عضوي.
غير أن ما اعتبرته اللجنة أكثر خطورة هو أنها لم تتمكن من تنفيذ المهمة الأساسية التي كُلفت بها، إذ يؤكد التقرير أن المحافظ "لم يسمح للجنة بالنزول الميداني إلى موقعي قاع شرعة وقاع يفاع، لأخذ العينات والالتقاء بالمزارعين، كما لم يسمح لها بالنزول إلى الشركة المنتجة للسماد العضوي من الشحنة"، رغم مطالبة أعضاء اللجنة بذلك أكثر من مرة.
وأضاف التقرير أن المحافظ أصر على أن "الآلية الصحيحة للعمل" تتمثل في تشكيل لجنة جديدة تضم وزارة الزراعة، والهيئة العامة للبيئة والتغير المناخي، وممثلاً عن المحافظة، وممثلاً عن مكتب السيد، ثم القيام بالنزول الميداني، مبرراً ذلك بأنه "للعمل بشفافية وحيادية"؛ غير أن اللجنة رفضت هذا التوصيف بصورة غير مباشرة، مؤكدة في تقريرها أن "اللجنة المشكلة من الهيئة هي لجنة مختصة ومحايدة، ولها الحق في التحقق من الموضوع وفقاً لقانون حماية البيئة".
وأشار التقرير إلى أن المحافظ تواصل هاتفياً مع القائم بأعمال وزير الزراعة، الذي كرر وعده بإرسال جميع الوثائق وتقارير الفحوصات للجنة، كما وعد المحافظ نفسه بإرسال الوثائق المتعلقة بالقضية؛ إلا أن التقرير يؤكد أن أياً من تلك الوثائق لم يصل إلى اللجنة حتى تاريخ إعداد التقرير.

ممنوع النزول
وللتحقق من مضامين التقرير، تواصلت "لا"، أمس، مع المهندس علي الذبحاني، رئيس المكتب الفني في الهيئة العامة للبيئة والتغير المناخي وعضو اللجنة الفنية، الذي أكد صحة ما ورد في التقرير، مشيراً إلى أنه "لا يوجد أي جديد بعد التقرير المرفوع إلى وزير الصحة حتى اليوم".
وأوضح الذبحاني أن اللجنة كانت تستعد لأخذ عينات من التربة والمحاصيل والسماد العضوي وإخضاعها للفحوصات المخبرية للتأكد من وجود بكتيريا العفن البني، أم لا، إلا أن ذلك لم يحدث، لأن قيادة السلطة المحلية في ذمار "لم تسمح بذلك"، مؤكداً بالقول: "ما خلونا نكمل عملنا".
وانتقد الذبحاني مقترح المحافظ البخيتي حول تشكيل لجنة مشتركة من عدة جهات، واصفاً ذلك المقترح بأنه "كلام فاضي، الغرض منه تشتيت القضية".
وقال: "أساساً وزارة الزراعة والسلطة المحلية في ذمار هما طرفان في القضية، ولا يمكن أن يكونا ضمن لجنة التحقيق"، مشيراً إلى أن لجنة الهيئة العامة للبيئة والتغير المناخي هي "لجنة مستقلة محايدة مُكلفة من مكتب السيد".
كما نفى تلقي اللجنة أي وثائق من وزارة الزراعة حتى اليوم، مضيفاً: "ولا في حاجة... طلعت كذبة للمرة الثانية؛ مرة في مكتب وزير الزراعة، ومرة عند محافظ ذمار، وإلى اليوم لم يوافونا بأي وثيقة".
وتتوافق هذه التصريحات مع ما سبق أن أكدته الهيئة العامة للبيئة والتغير المناخي في مذكرتها الرسمية مطلع أيار/ مايو 2026، والتي طالبت بالإيقاف الفوري لجميع الإجراءات المتعلقة بالشحنة، معتبرة أن السماح بإدخال شحنة مصابة بمرض حجري يمثل مخالفة للمادة (22) من قانون حماية البيئة، ومحذرة من أن تحويلها إلى سماد عضوي "إجراء غير سليم فنياً ويشكل خطراً بيئياً جسيماً" وتهديداً مباشراً للأمن الغذائي الوطني، وينذر بتلوث واسع النطاق للتربة الزراعية والموارد المائية، لأن عمليات التسميد لا تضمن القضاء على المسبب المرضي، بل قد تؤدي إلى إعادة نشره عبر التربة الزراعية.
وأكدت الهيئة أن إجراءات إتلاف المواد الخطرة تندرج ضمن اختصاصها الحصري، وتتم وفق ضوابط ومعايير فنية معتمدة تضمن عدم حدوث تلوث ثانوي أو أضرار بالموارد الطبيعية، معتبرة أن ما جرى يمثل تجاوزاً لصلاحياتها وخرقاً للإطار المؤسسي المنظم للعمل البيئي في البلاد.
وكانت "لا" قد كشفت في تقارير سابقة، مدعومة بوثائق رسمية، "أخطر خرق للحجر النباتي في اليمن"، موضحة كيف جرى نقل الشحنة المصابة بالعفن البُني من منفذ عفار الجمركي بمحافظة البيضاء إلى محافظة ذمار، بعد ثبوت إصابتها بمرض حجري خطير، وتسليمها إلى معمل لإنتاج السماد العضوي، في خطوة أثارت تحذيرات واسعة من كارثة زراعية وبيئية تهدد الأمن الغذائي الوطني لعقود.

أسئلة بلا أجوبة
وبينما لا تزال الجهات الرسمية تختلف حول مصير الشحنة، ولم تتمكن اللجنة الفنية من أخذ عينة واحدة أو إجراء فحص ميداني واحد، تبقى الأسئلة الأساسية بلا إجابة: أين انتهت الـ139 طناً من بذور البطاطس المستوردة والملوثة؟ وهل تحول السماد الناتج عنها إلى الأراضي الزراعية بالفعل؟ ومن يتحمل مسؤولية منع اللجنة المختصة من أداء مهمتها؟ والأهم: هل ما زالت هناك فرصة لتدارك ما يحذّر المختصون من أنه قد يتحول إلى واحدة من أخطر الكوارث الزراعية والبيئية التي عرفها اليمن؟