تحقيق: بشرى الغيلي / لا ميديا -
تعيش المنظومة الصحية واقعاً مريراً يتصدره تردي الخدمات وغياب الرعاية المجانية؛ حيث وجد المريض نفسه محاصراً بأسعار باهظة طالت حتى المشافي الحكومية التي كانت تمثل الملاذ الأخير للبسطاء.. ورغم قسوة هذا المشهد وتصاعد حملات الإساءة التي تحاول تكريس صورة نمطية سلبية، إلا أن لغة الإنصاف ترفض سردية الانهيار والجشع؛ فالكوادر الطبية لا تزال تكافح بمسؤولية في خطوط المواجهة الأولى، وتقدم أقصى رعاية ممكنة وفقاً للمتاح، متحديةً ظروف التشغيل القاهرة وشحة الإمكانيات لمنع توقف شريان الحياة الطبي.
وأمام هذا الواقع تقترب صحيفة (لا) من ذلك وتستقصي من داخل أروقة الطوارئ والرقود، لتضع شكاوى المرضى وغلاء العلاج جنباً إلى جنب مع ضغوط الكوادر الطبية، باحثةً عن إجابات شافية لدى الجهات الرسمية والرقابية.

غياب الشفافية في العناية المركزة
تبرز في أقسام العناية المركزة إشكالية غياب إخبار الناس بالحقيقة حول الوضع الطبي الفعلي للمرضى، ما يراكم الأعباء المالية دون جدوى.
يتحدث منصور المطحني لصحيفة (لا) عن تجربة والده: «أسعفنا والدي إثر جلطة دماغية، وكنا ندفع يومياً نحو 150 ألف ريال. طوال 18 يوماً، كانت إجابات الأطباء مبهمة توحي بانتظار التحسن، ما اضطرنا لرهن أرض زراعية لتسديد أكثر من مليونين ونصف المليون ريال.. الصدمة حين أسرّ لنا طبيب مقيم أن والدي كان في حالة (موت جذع الدماغ) منذ اليوم الثالث، ليتم استغلال جهلنا لضمان استمرار دفع الرسوم».

القيصرية كقرار استثماري
تتحول بعض العمليات القيصرية في مستشفيات العاصمة لإجراءات تُتخذ لدوافع ربحية تتجاوز الضرورة الطبية، مُستغلة قلق العائلات لتمرير فواتير جراحية باهظة.
تروي المريضة (س.ع) لصحيفة (لا) كيف تغير مسار ولادتها الطبيعي: «ذهبت لولادة طبيعية مدعومة بفحوصات سابقة تؤكد سلامتي، لكن بعد ساعتين، أبلغ الطبيب زوجي بضرورة الجراحة الفورية بحجة تراجع نبض الجنين.. وتحت ضغط الخوف، استدان زوجي 350 ألف ريال لتغطية التكلفة».
وتضيف حول التقييم اللاحق للحالة: «عرضنا أوراق تخطيط النبض على استشاري محايد، فأكد أن المؤشرات طبيعية تماماً لمرحلة المخاض، ولا يوجد مبرر علمي طارئ لقرار العملية».

دوامة التشخيص الخاطئ
تُشكل الإحالات المفرطة للفحوصات المتقدمة إشكالية تتجاوز الإجراءات الروتينية، مُحملة المريض تكاليف باهظة.
يسرد المريض أحمد الشرعبي لـ(لا) تفاصيل معاناته: «راجعت عيادة باطنية، وبدلاً من الفحوصات الأولية، وجهني الطبيب لتحاليل مناعية وأشعة مقطعية وتنظير تجاوزت تكلفتها 200 ألف ريال.. شخّص حالتي باشتباه أورام، ووصف أدوية تناولتها لشهرين فتفاقمت حالتي. لاحقاً، قصدت طبيباً آخر طلب فحصاً بسيطاً بـ3 آلاف ريال، ليتبين إصابتي بجرثومة المعدة فقط، لأدرك متأخراً خضوعي لفحوصات مكلفة لا علاقة لها بحالتي، فقط لمجرد تحصيل العمولات».

غياب المعايير
يفاقم تضارب التشخيصات معاناة المرضى ويستنزفهم في ظل غياب بروتوكولات علاجية موحدة.
يلخص عبدالحكيم الحرازي لصحيفة (لا) معاناته مع والده: «زرت 3 مستشفيات خلال شهر؛ الأول أقر جراحة عاجلة، والثاني ألغاها واكتفى بأدوية، والثالث أدخلنا في دوامة تحاليل وأشعة دون إجابة واضحة.. اضطررت للاستدانة لتسديد الفواتير المتكررة وسط تخبط وانعدام ثقة، ما يُشعرك أن غياب البروتوكولات الموحدة يُستغل لاستنزاف المريض».

الفراغ الإداري وثمن غياب الاستشاريين
يروي المريض منصر عبية لصحيفة (لا): «نُقلت لطوارئ مستشفى حكومي فجراً بكسر مضاعف وتهتك أوعية.. قدم المتواجدون إسعافات أولية، لكن حالتي تطلبت تدخلاً عاجلاً من استشاري الأوعية.. حاولوا التواصل مع المناوب الذي تأخر واعتذر اليوم التالي متذرعاً بظروف.. وأمام عجز الكادر المتواجد عن التدخل، أصيبت الساق بالـ(غرغرينا)، ليكون الخيار الوحيد هو البتر الكامل نتيجة التأخير».

كفاءات طبية  تكسر الصورة النمطية
في مقابل الشكاوى تبرز نماذج تؤكد وجود كفاءات محلية تعمل بمسؤولية وتكسر التعميم السلبي المحبط.. ينقل كمال التهامي لـ(لا) تجربته: «بعد تهويل حول غياب الكفاءات ونصائح بالسفر للخارج، راجعنا استشارياً بمستشفى في صنعاء.. التزامه الأخلاقي لفت انتباهي؛ إذ اكتفى بالتقارير السابقة وأهم الكشافات فقط رافضاً إدخال والدي في دوامة فحوصات.. أجرى العملية باحترافية واستمر بمتابعة الحالة شخصياً.. وسط التعميم الظالم، أدركت أن لدينا كوادر تضع صحة المريض فوق أي اعتبار».

منصات التواصل تربك المنظومة الصحية
إلى جانب الاختلالات الميدانية، يبرز تحدٍ آخر يتمثل في تحول منصات التواصل الاجتماعي إلى جهات لتقييم الأداء الطبي. وتلعب هذه الظاهرة دوراً سلبياً يؤدي إلى إرباك المنظومة الصحية ومضاعفة الأعباء المالية على المرضى نتيجة غياب المعايير المهنية في النشر.
وفي هذا السياق يوضح الناشـط الاجتماعـي محمد الشرفــي أبعاد هذه الفوضــى الرقمية، قائــلاً: «استغلـــت صفحــــات مجهـــولة ضعف الرقابة لتحويــــل منصــــــات التواصل إلى محاكم تستثمر معاناة المرضى لحصد التفاعلات، عبر اجتزاء القصص وتحويل المضاعفات الطبية الواردة إلى جرائم متعمدة.. هذا التشهير الاستباقي دمر الثقة بين الطبيب والمريض، وأجبر الأطباء على اللجوء لـ(الطب الدفاعي) عبر طلب فحوصات إضافية قــد لا يحتاجهـا المريض فعلياً، فقط لحماية أنفسهم من الابتزاز الرقمـي، ممـا يضاعف فاتورة المواطن.. والمؤسف انزلاق بعـــض الأطبــــاء لاستخدام هـــذه المنصات لتصفية حسابات مهنية وتشويه زملائهم علناً».
تؤكد هذه القراءة أن معالجة الأخطاء الطبية تتطلب تفعيلاً صارماً للقنوات القانونية واللجان المتخصصة حصراً؛ إذ إن ترك القطاع الصحي عرضة لتقييمات الخوارزميات والصفحات الباحثة عن الإثارة لا يُصلح النظام، بل يهدد بانهياره ويدفع ما تبقى من الكفاءات الوطنية نحو الهجرة.

التكافل المجتمعي.. رئة بديلة للقطاع
أمام تراجع الخدمات وتقلص الدعم، يبرز التكافل المجتمعي كداعم أساسي يمنع الانهيار.. يوضح القائمون على «برنامج حياة» بمؤسسة بازرعة لصحيفة (لا): «لم يقف المجتمع متفرجاً؛ التكافل الشعبي يسند النظام الصحي.. نسعى يومياً لتوفير فصائل الدم وجمع التبرعات لتغطية تكاليف العمليات والأدوية لغير القادرين.. هذا الجهد الصامت هو الرئة التي يتنفس بها القطاع، ورغم بساطته أمام الاحتياج الهائل، فإنه يغطي جانباً مهماً من تخفيف المعاناة».

صمود الكوادر في وجه سردية الانهيار
يرفض الأطباء الميدانيون تعميم النظرة التشاؤمية، مؤكدين استمرار تقديم الخدمات النوعية.. يقول استشاري جراحة المخ والأعصاب الدكتور محمد سلام لـ(لا): «تصوير الوضع الصحي في صنعاء كـ(انهيار صفري) هو تهويل مجحف.. فرغم الأخطاء وشحة الإمكانيات، لم ننهار؛ ونجري يومياً عمليات معقدة بنسب نجاح معيارية. قدرة الكادر اليمني على التكيف لإنقاذ المرضى مستمرة، وتصوير المنظومة كأنها مدمرة يطمس جهود آلاف الأطباء والممرضين».

أطباء الطوارئ.. خط دفاع بلا غطاء استشاري
يصف طبيب الطوارئ بمستشفى الثورة، الدكتور علي الآنسي لـ(لا) الواقع الميداني بالقول: «أعمل بنوبات تصل لـ48 ساعة متواصلة.. وحين تسوء حالة مريض لغياب دواء أو سرير، يصب المرافقون غضبهم علينا.. تُركنا كأطباء شباب في الواجهة لنتخذ قرارات مصيرية وسط إنهاك شديد بسبب غياب الاستشاريين.. ما يُصور كـ(إهمال متعمد) هو استنزاف قاهر؛ نحن خط دفاع أول ولكن بلا غطاء خبير يسندنا».

تقلص الدعم الدولي وتفاقم الأزمة الصامتة
التراجع الملحوظ في تدخلات المنظمات الدولية يترك المرضى الأشد فقراً في مواجهة الأعباء الباهظة.. يلخص طارق اليريسي، الموظف السابق في منظمة اليونيسف، لـ(لا) أبعاد الإشكالية، بقوله: «نواجه أزمة صامتة إثر التقليص الحاد لتدخلات المنظمات التي سدت فجوة كبرى بتوفير أدوية الأمراض المزمنة والفشل الكلوي. تراجع التمويل العالمي قلّص الدعم بشدة، ليجد المريض المعدم نفسه وجهاً لوجه مع أسعار السوق التجارية، ما أدى لتدهور حالات كثيرة بصمت بعيداً عن التغطية الإعلامية».

شبكة المصالح وعمولات الفحوصات
في الكواليس تتحول الوصفات الطبية والإحالات لأدوات مكاسب مادية بـين بعـض الأطبـاء والمختبـرات.. ويكشف مندوب المبيعات الطبي أكرم صادق لصحيفة (لا): «لا يمكن إنكار وجود شبكة مصالح صامتة. هناك فئة تشترط نسبة مالية مقابل كتابة صنف دوائي لشركتنا، أو توجيه مرضاهم لمختبرنا حصراً. نلاحظ طلب قائمة طويلة من الفحوصات لتشخيص لا يحتاج سوى لفحصين، والهدف رفع الفاتورة لزيادة عمولة الطبيب، ليتحمل المريض تكلفة لا يحتاجها فعلياً لتغطية العمولات».

فاتورة التشغيل
في مقابل الشكاوى، تُرجع إدارات المستشفيات الخاصة الارتفاعات للكلفة التشغيلية الباهظة.. يوضح الدكتور أحمد الوجيه، رئيس مجلس إدارة أحد المشافي الخاصة بالعاصمة لـ(لا): «يُعتقد أننا نحقق أرباحاً خيالية، لكن الحقيقة أن تشغيل منشأة طبية بصنعاء هو معركة للبقاء. نعتمد كلياً على شراء الديزل التجاري، واستيراد المستهلكات وقطع الغيار بالعملة الصعبة وسط تقلبات الصرف، فضلاً عن الضرائب. الفاتورة التي يراها المريض باهظة هي (تكلفة تشغيل حقيقية). إذا خفضنا الأسعار لتلائم القدرة الشرائية المنهارة، سنعجز عن دفع الرواتب وسنغلق أبوابنا خلال أشهر».

معادلة الرقابة واستمرار الخدمة
ولأهمية الموضوع، طرحت صحيفة (لا) التساؤلات على نائب وزير الصحة والبيئة، الدكتور ناشر القعود ليوضح المعطيات الميدانية قائلاً: «الحديث عن ضعف الرقابة يجب أن يُقرأ من زاوية الظروف الاستثنائية التي أثرت على سلاسل التوريد. لا ننكر وجود تجاوزات في بعض المنشآت الخاصة وننفذ حملات تفتيش أثمرت عن قرارات إغلاق، لكننا أمام معادلة معقدة؛ فالتشديد المفرط قد يغلق مستشفيات تسد حالياً عجز القطاع الحكومي المفتقر للميزانيات. أولويتنا إبقاء أبواب المستشفيات مفتوحة، مع العمل على ضبط الاختلالات قدر الإمكان».

فوضى رقمية
يوضــح رئيـس المجـلس الطـــبي، الدكتـور عبدالكريـم شيبان لصحيفة (لا)، بالقول: «عملنا لا يقتصر على الفصل بالشكاوى، بل نواجه معركة المنصات التي تحولت لساحات تصفية حسابات بين بعض الأطباء، ولن نتساهل مع ذلك. المنصات ليست محاكم، وهناك خلط شعبي بين (الخطأ الطبي) والمضاعفات العلمية. لجاننا الفنية تثبت أن الأخطاء الفعلية أقل من حجم الضجة. ورغم اتخاذنا قرارات إغلاق للمخالفين، فإن تحويل كل مضاعفة إلى (جريمة) إعلامياً يدمر الثقة، ويدفع الأطباء للخوف من استقبال الحالات المعقدة».
وتخلص (لا) ضمن سياق التحقيق إلى أن تعافي القطاع الصحي يبقى مرهوناً بفرض رقابة حازمة تحمي المريض من الاستغلال التجاري والفوضى الرقمية، بالتوازي مع مساندة الكوادر والمنشآت الطبية.. ولن تُستعاد الثقة المفقودة إلا بحلول مؤسسية توازن بين الحفاظ على شرف المهنة، وتخفيف وطأة الأعباء الثقيلة عن كاهل المواطن.