دمشق - خـاص / لا ميديا -
تركيا تتمدد في ميناء اللاذقية والساحل السوري، وفي مناطق أخرى من سورية، والكيان الصهيوني يحاول التمدد في الجنوب السوري، ويقوم باتباع سياسة "كسب القلوب" في قرى وبلدات المنطقة.
فقد شهدت الأيام القليلة الماضية، زيارة لسفن حربية تركية إلى ميناء اللاذقية.
كما تناقلت المحطات الإعلامية والنشطاء المحللون أخبارا وصورا عن تمركز لقوات تركية في أكثر من منطقة عسكرية في محافظتي اللاذقية وطرطوس، الساحليتين وأظهرت الصور، وحدات عسكرية تركية، وسيارات تحمل معدات عسكرية، أفرغتها في تلك الأمكنة.
تأتي هذه التطورات، بعدما شهدت العلاقات (السورية -التركية)، تحسناً كبيراً في عهد النظام الحالي، يترجم الدور الذي لعبته الحكومة التركية، في التغيير الدراماتيكي الذي جرى في سورية، مع انهيار نظام الرئيس بشار الأسد، ووصول "جبهة تحرير الشام (جبهة النصرة)" بقيادة أبو محمد الجولاني "أحمد الشرع" إلى الحكم، وهو ما اعترف به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في أكثر من تصريح، كان آخرها في أنقرة، خلال لقائه الجولاني، الذي كان يزور أنقرة، بالتزامن مع قمة حلف الناتو، التي استضافتها مؤخراً.
وتحاول تركيا ترسيخ تواجدها العسكري، وتعبئة الفراغ الذي شكله انسحاب إيران، وتقييد التواجد الروسي في قاعدتي "حميميم" الجوية، و"طرطوس" البحرية على الساحل، حيث رفضت دمشق مؤخراً السماح لسفن روسية، بدخول ميناء طرطوس، في الوقت الذي سمحت للسفن الحربية التركية بالدخول إلى ميناء اللاذقية، في موقع غير بعيد عن قاعدة "حميميم" الجوية الروسية.
هذا التحرك العسكري التركي، يشكل نوعاً من الاستعراض للقوة الدبلوماسية والعسكرية، وسط جو إقليمي ودولي، ينظر بعين الريبة دائماً إلى تركيا، وليس بعيداً، أن يكون هذا الاستعراض، تمهيداً لمحاولة تواجد عسكري تركي مباشر ودائم في سورية، وخاصة في الساحل، يشبه التواجد الروسي، وربما يحل محله، في حال وصلت الأمور إلى انسحاب للقوات الروسية من قواعدها في المنطقة.
والمحاولات التركية لا تتوقف على الجانب العسكري فقط، وإنما تطال مختلف المجالات السياسية والاقتصادية، وحتى الاجتماعية، من خلال مشاركتها في خطط إعادة الإعمار المتوقعة، وتبنيها لمشروع إعادة بناء وتدريب البحرية السورية، ومن خلال الاتفاقيات الاقتصادية، وتطوير البنية التحتية البحرية لسورية، وهو ما أكده وزير النقل التركي، عبدالقادر أورال أوغلو، الذي قال بأن بلاده تدرس توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية المنطقة الاقتصادية الخالصة مع سوريا لتأمين إنتاج الغاز ومصالح التجارة، ومعروف أن تركيا تعتبر المستفيد الأول من الموقع الجيوسياسي لسورية، باعتبارها تشكل معبراً لطرق التجارة الدولية من وإلى تركيا.
طموح تركيا لا يتوقف على تعزيز تواجدها في سورية، وإنما لاتخاذها كمنطلق لتعزيز تواجدها في لبنان، باعتباره امتدادا طبيعيا للمشهد الجيوسياسي السوري، وقد كان واضحاً، أن العين التركية، بدأت تنظر إلى لبنان، كما تنظر إلى سورية، منذ التغيير الكبير الذي حصل في دمشق، لأن لبنان لا يمكن أن ينفصل عن سورية، عند رسم خرائط المنطقة، وإعادة تشكيل توازنات القوى والقوة في المشرق العربي، الذي يشهد محاولات لرسم خريطة جديدة، ترث خريطة سايكس بيكو، التي حكمت المنطقة على مدى أكثر من مائة عام، والقاعدة الجيوسياسية تقول "من يدخل إلى دمشق، تصبح طريقه سالكة إلى بيروت".
وتعمل أنقرة على تعزيز تواجدها في لبنان من خلال القوة الناعمة والدعم اللوجستي، حيث تقدم الدعم للجيش اللبناني، ولديها اتفاقات تعاون عسكري مع لبنان، ومن خلال مشاركتها في قوات "اليونيفيل" العاملة في جنوب لبنان.
كما تركز الوكالة التركية للتعاون والتنسيق (تيكا) على مشاريع تنموية في طرابلس وعكار، تشمل تطوير البنية التحتية والمرافئ، والمشاريع الزراعية، والتعليم، وترميم بعض المباني التاريخية. ويكتسب هذا الاهتمام، أهمية لكون طرابلس أقرب المدن اللبنانية إلى سوريا، وبالتالي يمكن أن تتحول إلى نقطة وصل بين البلدين.
أما الكيان الصهيوني الذي تمدد خارج حدود عام 1974، بعد التغيير في دمشق، واحتل مناطق جديدة، في منطقة الجنوب السوري، ويدخل باستمرار إلى المنطقة، يحاول اليوم اتباع سياسة التقرب من المجتمع المحلي في المنطقة، وخاصة في البلدات التي يقطنها أبناء الطائفة الدرزية، مستغلين المشاعر التي تولدت، بسبب مجازر السويداء، التي حصلت قبل عام، والتي ينتمي معظم سكانها إلى الطائفة الدرزية، وعندها حاولت حكومة الاحتلال، تقديم نفسها كحامية للطائفة، خاصة وأن للطائفة امتدادا في فلسطين المحتلة، إضافة إلى الأردن ولبنان، وتسمح سلطات الاحتلال لأبنائها، بالانخراط في الجيش "الإسرائيلي".
وفي إطار هذه السياسة، بدأت حكومة الاحتلال، ببناء مستشفى داخل بلدة قلعة جندل، وأنشأت عيادات في بلدة ريما، وتقوم بتقديم مساعدات غذائية وطبية لسكان عدد من القرى.
ورغم المآسي التي تركتها أحداث السويداء، فقد عقدت الهيئة المعنية بمناقشة الأوضاع العامة والاجتماعية في المنطقة، ومنها بلدة قلعة جندل، اجتماعا ناقشوا فيه هذه الأوضاع، وأصدروا بيانا أكدوا فيه تمسكهم بهويتهم الوطنية السورية، وانتمائهم إلى الدولة السورية، ورفضهم لأي موقف شخصي لا يمثلهم، أو يتعارض مع مبادئهم الوطنية والاجتماعية.
كما أكد البيان، أن هذا الموقف، يعكس موقف الغالبية العظمى من سكان قلعة جندل، وشددت الهيئة على التزامها بتوجهها الوطني، وانتمائها إلى سوريا، ورفضها لأي محاولة لتشويه هذا الانتماء، أو الإضرار به.
ما يجري في شمال وجنوب سورية، ليس مجرد محاولة لبناء علاقة مع دمشق، وإنما هو صراع متعدد الوجوه، له أبعاد داخلية وإقليمية، ويشهد محاولات تركية -"إسرائيلية" محمومة، للهيمنة على سورية، وعلى القرار السوري، وبدون أن يكون للمواطن السوري أي رأي فيه، وسيبقى هذا الصراع قائماً، حتى تتمكن سورية، من إعادة توازنها، وبناء سياسة وطنية مستقلة، وتشكيل جيش وقوى أمنية وطنية، تدافع عن القرار والسياسة السورية، وتعيد لسورية دورها الإقليمي المميز، كمفتاح لمنطقة شرق المتوسط وغرب آسيا، وهو لايزال يحتاج إلى المزيد من الوقت والجهد.