على حافة الهزل الجيوستراتيجي
علي عطروس
يدخل العالم النصف الثاني من العام 2026 وهو يترنح على حافة الهزل الجيوستراتيجي. إمبراطوريات عتيقة تتفسخ سريرياً، وقادة «ناتويون» يدارون بروتوكولاتهم من داخل مصحة عقلية يملك مفاتيحها راعي بقر نرجسي يرى اليابان «جمهورية إسلامية» ويقايض دماء الحلفاء ببراميل النفط...
في هذا السيرك الكوني، تبرز طهران ومعها عقول المحور كصانع ألعاب استراتيجي فريد يقلب الطاولات ويعيد هندسة موازين القوى بالدم والبارود، لا بالتفاهمات الميتة أو مذكرات الهروب البري المخزية.
وبينما كانت الرياض و«تل أبيب» تبحثان عن رئة برية تتنفسان منها عبر أنابيب «بترولاين» وجسور «إيلات» الملوثة، تفادياً للخنق البحري في هرمز وباب المندب، جاء الصاع الصنعاني بلسانٍ جوي مبين؛ هبوط طائرة «ماهان آير» في مطار صنعاء الدولي لم يكن مجرد كسرٍ للحصار، بل كان إعلاناً رسمياً لولادة «اليمن الند»، الذي يطأ كبرياء المعتدين بحذائه السيادي. فرار التشكيل الحربي السعودي أمام صواريخ دفاعات صنعاء الجوية يعكس الحقيقة العارية: لقد تبخرت غطرسة «عاصفة الحزم»، وتحولت أساطيل «حارس الازدهار» و«أسبيدس» إلى نكتة سمجة ابتلعتها بحار اليمن.
من معجزة الهندسة العكسية للموت الباليستي من «قاهر» إلى «تريومف»، إلى جنازة الغضب المقدس في طهران، التي أعلنت ميلاد الجمهورية الثالثة ودفنت «الصبر الاستراتيجي»، إلى تمرد شيوعية «ماغا» في عقر دار واشنطن... يتضح أن المقاومة لا تدير حرباً عابرة، بل تصوغ وعياً عالمياً جديداً.
وفي المقابل، ينكشف «سلاطين الدجل العثماني» كأجراء يتنفسون برئة الموساد، وينبطحون بأمر الكاوبوي. إن هذا العدد من «ملحق 21 أيلول» هو تشريح دقيق لجثة الإمبراطورية الأمريكية الميتة وأدواتها القذرة، وبيان عملياتي واثق بأن الأرض والجو والبحر في هذا الشرق لم تعد تتسع إلا لأهل الكرامة والسيادة و«الناموس».


عويل بعراني عبراني تحت عجلات «ماهان آير»
في فجر الثالث من تموز/ يوليو 2026، وتحديداً عند الساعة 5:20 صباحاً، لم تكن طائرة «البوينغ» التابعة لشركة «ماهان آير» الإيرانية تهبط في مطار صنعاء الدولي فحسب؛ بل كانت تهبط فوق أحلام تحالف العدوان ومقامراته الساقطة، ممرغةً كبرياء عقدٍ كامل من الحصار الجوي الجائر في تراب السيادة اليمنية المستعادة بالنار والبارود.
لم يكن المشهد مجرد رحلة مدنية تحمل أنات 200 مريض وجريح يمني، بل كان بياناً عسكرياً بلسانٍ جوي مبين، صفع منظومة العدوان وأجبرها على ابتلاع غبار الهزيمة. وحين حاول «تشكيل حربي» تابع للعدو السعودي المجرم اعتراض الطائرة في عربدة مكررة، جاءه الرد الصاروخي للدفاع الجوي اليمني واثقاً، حاسماً، ومباشراً، ليفيق العدو من أوهامه ويفر هارباً يجر أذيال الخيبة، تاركاً خلفه معادلة يمنية جديدة صاغها بيان القوات المسلحة بالدم: «أي خرق للأجواء سيُقابَل بردٍّ شامل يضرب المطارات والمصالح الحيوية في البر والبحر».
وبينما كانت الرياض تبحث ببلادة عن مخرج يحفظ ما تبقى من وجهها الشاحب، كانت مطابع ومواقع العدو الصهيوني تشتعل ذعراً ورعباً من هذا الاختراق الاستراتيجي. قراءة سريعة في صحافة الكيان المؤقت تكشف حجم الصدمة:
صحيفة «معاريف» (5 تموز/يوليو)، تحت عنوان يقطر خوفاً: «السجادة الطائرة تُنشَر أمام الحوثيين.. والسلاح في الطريق»:
اعترفت الصحيفة بأن صنعاء لم تعد ساحة معزولة، بل غدت «الند الذي لا يُقهر». ونقلت عن إذاعة قوات الاحتلال قلقاً بالغاً من تحول هذا الجسر الجوي إلى شريان إمداد لوجستي مفتوح ينقل الخبراء والتقنيات العسكرية المتقدمة دون جرأة من أي طرف على اعتراضه.
صحيفة «يديعوت أحرونوت» (6 تموز/يوليو):
نعت السياسة السعودية بمرارة، مؤكدة أن «رهانات محمد بن سلمان في كبح جماح صنعاء عبر الانفتاح السياسي قد تبخرت». وأقرت الصحيفة بأن طهران لا تتعامل مع «أنصار الله» كأوراق تفاوضية للمساومة، بل كركيزة أساسية في محور المقاومة، واصفة الجسر الجوي بأنه «النهاية الفعلية للحصار وبداية الكابوس الإسرائيلي» الذي يسقط فعاليات سنوات من المراقبة البحرية في خليج عدن.
يدرك العدو «الإسرائيلي» اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن «أدواته القذرة» في المنطقة عاجزة عن حمايته، وأن الحصار الذي فُرض لتركيع اليمن تحول إلى منصة قفز استراتيجية جعلت من صنعاء رقماً صعباً يعيد صياغة توازنات «الشرق الأوسط».
الذعر الصهيوني تجاوز حدود الطائرة المدنية ليصل إلى تشخيص شبكة معقدة من التنسيق الإقليمي والدولي الذي تقوده عقول المحور.
القناة 14 «الإسرائيلية» (25 حزيران/يونيو):
كشفت في تقرير لها  عما سمّته الثلاثية المرعبة: «روسيا تمول، وفيلق القدس بقيادة إسماعيل قاآني يدير، واليمنيون يتسلحون». التقرير أشار بالاسم إلى تحركات أحمد وحيدي وكمال الدين نبي زادة، في إدارة الأموال والتقنيات، ليكون الهدف النهائي هو تحويل مضيقي هرمز وباب المندب إلى ما وصفته الصحافة الصهيونية بـ«سلاح يوم القيامة».
يوني بن مناحيم عبر موقع (arabexpert):
قطع الشك باليقين الصهيوني مؤكداً أن مسألة التخلي عن اليمنيين غير مدرجة أصلاً في أي تفاهمات مع الغرب، لأن صنعاء بالنسبة لطهران ليست مجرد فاعل محلي، بل هي عمق الردع الإقليمي والقبضة الخانقة على شريان الملاحة الدولية.
لم يعد الصهيوني يخشى الصواريخ والمسيّرات القادمة من جبال اليمن فحسب، بل بات يستشعر خطر الحذاء اليمني وهو يطأ جغرافيا فلسطين المحتلة.
مدير عام وزارة الأمن «الإسرائيلية»، أمير برعام، فجّر مفاجأة عبر موقع «نتسيف نت» محذراً من قدرة اليمني على التسلل البري نحو كيان الاحتلال.
التقارير الاستخباراتية الصهيونية تزعم بعبثية وجود 50 خبيراً يمنياً في مجال الصواريخ والمسيّرات في ريف سورية الجنوبي، تحت رعاية الحرس الثوري، لتنسيق الضربات مع المقاومة العراقية. ويستذكر الكيان برعب تلك المناورات العسكرية الواسعة التي نفذتها القوات المسلحة اليمنية، والتي حاكت بالدبابات والمشاة اقتحام المستوطنات واختراق الحدود.
وأمام هكذا فرضيات يبحث الصهاينة عن سيناريوهات لما يسمونه «اليوم التالي» - من نشر قوات خاصة في جيبوتي أو إعادة إحياء تحالف «حارس الازدهار» المقبور، وهذه ليست سوى قفزات في الهواء. وحتى أطروحات بعض الأكاديميين الصهاينة، مثل إيلي بوديه، حول إضعاف اليمن عبر دعم مرتزقة يمنيين، وخص مرتزقة «المجلس الانتقالي» بذلك، اصطدمت بصخرة الواقع المتمثلة في الخلافات العميقة والتمزق المخزي بين الحليفين: السعودية والإمارات.
إن هبوط «البوينغ» الإيرانية في صنعاء، وفرار الطيران الحربي السعودي، ليس مجرد حدث عابر؛ إنه تأريخ لليمن الجديد، اليمن الذي تحول من بلد جريح يبحث عن الدواء، إلى صانع ألعاب استراتيجي يفرض إيقاعه العسكري والسياسي على القوى الكبرى والكيانات اللقيطة. لقد تكسرت «عاصفة الحزم»، وتبخر «رعد الشمال»، وبقيت صنعاء عاصمة السيادة والقرار، يداها على الزناد، وعيونها على القدس، وأجواؤها محرمة على الأعداء، والأيام بيننا.


السلاح الذهبي يبتلع أوهام التفاهم وأنابيب الهروب البري
يتطاول ترامب على هزيمته في مضيق هرمز واصفاً قادة طهران بالأشرار والحثالة، لمجرد أنهم لم يبتلعوا أكاذيبه حول النصر المزعوم في حرب الثامن والعشرين من فبراير. المحلل الاقتصادي مارك جامبيون، في «بلومبيرغ»، كشف المستور مؤكداً أن «مذكرة التفاهم الغامضة وُلدت ميتة»، لأنها «لم تكن استسلاماً إيرانياً، بل اعترافاً أمريكياً عاجزاً بإدارة طهران للممر المائي». ورغم محاولات التسلل الأمريكية بإطفاء أجهزة الإرسال عبر ممرات عمان، إلا أن بحّارة الحرس الثوري أمطروا تلك الناقلات بالرصاص، ليعلن محمد باقر قاليباف المعادلة الحارقة: السيطرة أو الشهادة. وكالة «رويترز» أكدت أن ورقة هرمز صارت السلاح الذهبي الأثمن لدى طهران من مخزونات اليورنيوم. وأمام هذا الخنق التاريخي لإمدادات الطاقة العالمية تهرع الرياض و«تل أبيب» في تراقص مخزٍ للبحث عن ممرات برية للهروب. خط أنابيب الشرق الغرب بترولاين يستغيث لتوسيع طاقته واستيعاب البراميل الكويتية والقطرية، بينما يروج الصهيوني إيلي كوهين لجسر بري يربط السعودية بميناء «إيلات» ثم عسقلان، لتجاوز صواريخ صنعاء في البحر الأحمر وهرمز في الخليج. لكن سياسة «صفر مخاطر بيئية» لشعاب «إيلات» المرجانية وقفت بوجه الأنبوبة الملوثة، تزامناً مع غباء النظام السعودي المعاق سياسياً، والذي يواصل شراء مواقف دول أوروبية بالمال، مستخدماً تهديد الملاحة كفزاعة ضد صنعاء. تناسى هذا النظام الفاشل عسكرياً أن تحالفي «حارس الازدهار» و«أسبيدس» بكل حديدهما ونارهما ابتلعتهما بحار اليمن وتحولا إلى نكتة ولم ينالا من السيادة اليمنية سوى التصريحات الجوفاء.


الهندسة العكسية للموت الباليستي: بيــن تحــدي ترامـب من صنعـــاء إلى تحويـــر ترامـــب في كييــــف
في فجر الاستهداف الصارخ لكييف، لم تكن السماء تمطر شهباً، بل كانت القوات الروسية تسيّر إحدى أكثر المناورات التكتيكية دهاء في الفكر العسكري الحديث، عبر استخدام منظومة الدفاع الجوي بعيدة المدى (S-400 Triumf) في مهام الإسناد الناري والضربات الهجومية الأرضية. مشهد قد يصدم الهواة والقابعين في مؤخرة الوعي العسكري؛ فكيف لمنظومة صممت لصيد الأهداف الجوية الشبحية والديناميكية العالية أن تتحول إلى مطرقة باليستية تسحق التحصينات البرية؟!
 إعادة التوصيف البرمجي.. 
خوارزميات الانقضاض الشاقولي
إن التحوير الباليستي لصواريخ المنظومات الدفاعية (S-300) و(S-400) لا يتطلب جراحة ميكانيكية معقدة في الهيكل الانسيابي، أو تعديلاً في غرفة الاحتراق ومجرى الدفع للمحرك الصاروخي، الذي يعمل بالوقود الصلب الصلد، بل يرتكز بالكامل على إعادة هندسة برمجية لمنظومة الإطلاق وعقول التوجيه داخل المقذوف ذاته. يتم الأمر عبر تصفير وتعمية خوارزميات الملاحقة الجوية الديناميكية، وإلغاء نمط التوجيه الراداري شبه النشط، بالتزامن مع حقن برمجيات القيادة ببروتوكول بث رقمي جديد يجبر الصاروخ على تتبع إحداثيات جغرافية ثابتة مسبقة التغذية، يسلك إثرها الصاروخ مساراً باليستياً قوسياً حاداً، ينتهي بانقضاض عمودي شاقولي شبه كامل.
في غضون ثوانٍ معدودة يلتهم المحرك نبضاته الدفعية بالكامل، قاذفاً الصاروخ إلى طبقات الجو العليا (الاستراتوسفيرا)، ليتحول بعدها إلى كتلة مصمتة مدفوعة بالقصور الذاتي وقوة الجذب الأرضي، متسارعة نحو الهدف، ومستفيدة من التحول الكامل للطاقة الكامنة إلى طاقة حركة مرعبة.

 صمامات التلامس والتشظي 
الفرط صوتي
ميكانيكية التفجير الجوي التقليدية تعتمد على صمامات تقاربية غير تلامسية Proximity) Fuses) تنفجر بمجرد استشعار الهالة المغناطيسية أو الرادارية للطائرة المعادية، لتدميرها بشظايا مخروطية. أما في تكتيك الضرب الأرضي فيجري تعديل ميكانيك الصمامات لتتحول إلى صمامات صدمية تلامسية (Impact Fuses) تفجر الرأس الحربي لولبي التشظي لحظة الارتطام بالبنية التحتية، أو تضبط بدقة ميكرومترية لتتحول إلى صمامات تفجير هوائي (Airburst) تنفجر قبل أمتار قليلة من سطح الأرض لضمان أقصى دائرة قتل وتدمير للمساحات المفتوحة.

أبرز المزايا الفنية لهذا التحوير تكمن في السرعة الفرط صوتية الفائقة، إذ ينقض صاروخ مثل (48N6E2) من السقف الأعلى للمسار الباليستي بسرعة تتراوح بين 5 إلى 9 ماخ، وهي سرعة قاتلة تصيب رادارات الاعتراض الغربية بالشلل التام، وتعجز معها بطاريات الباتريوت عن الحساب أو التتبع، ناهيك عن المدى العملياتي السخي. غير أن السلبيات اللوجستية تطل برأسها في اتساع هامش الخطأ الدائري (CEP) الذي يقلل الدقة الجراحية للإصابة. إلى جانب الاستنزاف المالي الباهظ لكون هذه الصواريخ قطعاً تكنولوجية بالغة الكلفة والتعقيد.
 المعجزة اليمنية: 
عبقرية الكسر وخلع الناتو من «قاهر-1» 
إلى «قاهر-2M»
حين تضيق خيارات الحصار يولد الفكر العسكري المقاوم من رحم المستحيل، وهو ما جسدته القوات المسلحة اليمنية في بواكر المواجهة وسعيها لكسر حظر التسليح وسد الفراغ في الترسانة الهجومية بعيدة المدى عبر هندسة عكسية فذة وغير مسبوقة لصاروخ الدفاع الجوي السوفييتي العتيق (S-75) المعروف لدى حلف الناتو باسم (SAM - 2)، والذي كان يربض في المخازن كخردة دفاعية معطلة ليعاد بعثه كمرعب باليستي تكتيكي حمل اسم «قاهر- 1» و«قاهر- 2M».

1. بتر منظومة التوجيه اللاسلكي الأصلي

المرحلة الأولى
تفكيك وإزالة الباحث الراداري الأصلي الموجود في مقدمة الصاروخ (الأنف المخروطي) والذي كان يعتمد على التوجيه اللاسلكي عبر الأوامر من محطات التتبع الأرضية القديمة المعرضة للتشويش الإلكتروني الكثيف.

2. زرع عقول الملاحة القصورية والفضائية
المرحلة الثانية: استبدال منظومة التوجيه الملغاة بوحدة ملاحة قصورية مدمجة وعقول رقمية محلية الصنع مدعومة بنظامي التموضع الفضائي (GPS) و(GLONASS) لضمان استقلالية الصاروخ الكاملة بعد الإطلاق.

3. تعديل نمط المحرك 
وحقن بروتوكول الباليستيات
المرحلة الثالثة: إعادة برمجية لميكانيكية تشغيل المحرك ذي المرحلتين (الدفع الصلب للإقلاع والوقود السائل للمسار) لاتباع منحنى باليستي ثابت ومحدد لا يتأثر بإجراءات الحرب الإلكترونية المعادية.
الفكرة اليمنية استفادت من تلاقح الخبرات وتطويرها جينياً. فالتجارب الصينية السابقة في طراز (CSS-8) والإيرانية في (Tondar-69) كانت حوافز ملهمة ومشاريع شقيقة جرى البناء عليها وتطوير ميكانيكيتها بمساعدة محور المقاومة لتلائم مسرح العمليات اليمني المعقد، وتحويل الدفاع الجوي العاجز إلى قوة ردع باليستية هجومية بالغة الأثر.

 المواصفات الفنية والتكتيكية 
 صاروخ «قاهر- 1»:
صاروخ باليستي تكتيكي قصير المدى (SRBM).
المدى المؤثر 250 - 300 كيلومتر.
وزن الرأس الحربي 200 كيلوجرام من المواد شديدة الانفجار.
نمط الإطلاق والتكتيك إطلاق فردي تكتيكي للمباغتة.

 صاروخ «قاهر- 2M»:
صاروخ باليستي تكتيكي مطور قصير المدى
يصل إلى 400 كيلومتر
350 كيلوجراماً برأس حربي ثقيل ومتشظٍّ، ويتم إطلاقه بنمط الصليات المتتابعة (Salvo).
إن نمط الإطلاق التتابعي الصلي المعتمد في «قاهر- 2M» منح المشغل اليمني ميزة إغراق صاروخي تكتيكي تدك القواعد الحيوية للمعتدين في آن واحد، مُشكِّلة جداراً من النار يعطل منظومات الاعتراض. هذه هي العبقرية العسكرية حين تمتزج بالإرادة الوطنية. السيادة لا تصنعها القوالب الجاهزة، بل تطوعها عقول الرجال في ورش التصنيع الحربي المقاوم.



جنازة الغضب المقدس تعلن ميلاد الجمهورية الثالثة
في الرابع من تموز 2026، بينما كان النرجسي دونالد ترامب يلهو بالألعاب النارية احتفالاً بنصف المئوية الثالثة لبلاده، كانت طهران الصمود تكتب تاريخاً من نور ونار. هناك في مصلى الإمام الخميني الكبير، زحفت البحار البشرية، لا لتعلن انكساراً، بل لترسم مشهد نصر استراتيجي أذهل مطابع الغرب والشرق. جنازة مهيبة تحولت إلى استعراض قوة يبصق في وجه الغطرسة (الأمريكية - «الإسرائيلية») التي ظنت واهمة أن الحرب الكونية قادرة على تركيع مهد المقاومة.
«نحن في حداد؛ لكننا لا ننحني». لافتة سوداء اختصرت بؤس الرهانات الغربية، ووثقتها صحيفة «واشنطن بوست». الحرب الشرسة التي شنتها أعتى إمبراطوريات الشر لإسقاط القلعة، انتهت بملايين تزحف لتوديع الرمز الذي اغتيل في اليوم الأول للحرب. المراسلون الغربيون الغارقون في دهشتهم وقفوا شهوداً على انتحار الأوهام الأمريكية. ونقلت «فاينانشال تايمز» عن الأكاديمي حارث حسن اعترافاً يصفع غرف الاستخبارات: «طهران استعرضت القوة وأثبتت أن محور المقاومة خرج من التهديد الوجودي أكثر صلابة ونفوذاً إقليمياً»، بينما أقرت «واشنطن بوست» بمرارة بفشل التدخلات، مؤكدة أن القاعدة الشعبية للنظام لا تزال صلبة ومتماسكة عكس كل التخرصات الصهيونية.
وفي قلب ذلك الطوفان البشري، اندلع غضب مقدس وثقته الصحافة الأمريكية بهتافات «الموت لأمريكا»، ولافتات حمراء صريحة تطالب برأس الطاغية. «اقتلوا ترامب» لم تكن مجرد كلمات عابرة، بل كانت ديناً في عنق الأجيال، لتقول المعلمة نارس جعفري: «إن الثأر واجب ديني ولن نتراجع»، ويؤكد المدرس مجتبى زري أن «الشعب لن ينسى وإن نسي المسؤولون»... هذا هو الحساب الاستراتيجي البائس الذي أخطأ في قراءته ترامب ونتنياهو. فبدلاً من تصفية المشروع، تحوّل القائد الراحل إلى أيقونة عابرة للزمن. وشرح سينا طوسي لشبكة «سي إن إن»: «كيف منح الاغتيال خامنئي رمزية خارقة في مماته تفوق حياته بوصفه مرجعية شهيدة على خطى أئمة آل البيت الذين ثبتت صحة رؤيتهم الكونية بطريقة استشهادهم».
«خامنئي ربح حتى في مماته». عنوان صاعق لخصت به جريدة «الأخبار» اللبنانية قراءات الانكسار الغربي. حقيقة عارية يحاول ترامب حجبها بادعاءات غبية عن «دموع مزيفة»؛ لكن شاشات وصفحات «فورين بوليسي» و»سي إن إن» و«واشنطن بوست» وثقت ميلاد الجمهورية الثالثة من قلب المواجهة. في الرابع من تموز، كانت أمريكا تحتفل بجثتها الهرمة، بينما كانت إيران تدفن جثمان الأب لتعلن صعوداً استراتيجياً جديداً عنوانه الثأر القادم والسيادة التي لا تنحني لعواصف البترودولار والغطرسة الصهيونية.



شيوعية «ماغا» في ساحة الثورة
يقدم أسعد أبو خليل في «الأخبار» اللبنانية تفكيكاً بارعاً للتحول الزلزالي في عقل طهران الاستراتيجي. لقد باع نتنياهو لترامب وهم إسقاط النظام عبر قطع رأس القيادة. وظن الحليفان أن غياب المرشد سينهي المشروع. لكن النتيجة جاءت صاعقة: تلاشت مرحلة الصبر الاستراتيجي القديمة التي كانت تمنح العدو ثغرات النفاذ، ورمى النظام الجديد بأدوات الشغل البالية ليدير لعبة حافة الهاوية بروية وحسابات قاتلة تفهم عقلية ترامب الابتزازية. وفي غمرة هذا التحول وقف الشاب الأمريكي الأشقر جاكسون هينكل، ابن السبعة وعشرين عاماً، في قلب ساحة الثورة بطهران وسط هتافات «الموت لأمريكا»، ليعلن عبر حساباته في الرابع من تموز/ يوليو أن «تكريم خامنئي واجب على كل وطني أمريكي». هينكل، الذي يمثل تيار «شيوعية ماغا»، صدم الإعلام الصهيوني الذي عوى بجنون متهماً إياه بالخيانة والعمالة، بعد أن بدأت أمريكا تخسر معركة الوعي في عقر دارها.
في المقابل، ينشغل كيان الاحتلال بمنع أمين عام الجامعة العربية الجديد، نبيل فهمي، من زيارة رام الله، في حركة صبيانية تثبت أن كيان العدو يرتعد حتى من الأوراق الدبلوماسية (الميتة)، بينما تصنع المقاومة معادلات الكرامة بالدم والبارود.


خمسة آلاف طائرة في العتمة وصيد الجنرالات في بحر العرب
أخيراً، اعترف أمين عام «الناتو» برعب التكتل الغربي، كاشفاً عن إقلاع خمسة آلاف طائرة من المطارات الأوروبية التي شلت أنشطتها المدنية وتفرغت بالكامل لإسناد واشنطن في عملية «الغضب الملحمي» الفاشلة ضد إيران. هذه التعبئة الكونية السرية التي شاركت فيها مقاتلات الكيان الفاشي وقواعد الأردن والسعودية والكويت وغيرها، تثبت أن طهران لم تواجه أمريكا وحدها، بل طحنت أعتى تكتل عسكري في التاريخ. ورغم هذا الحشد الجبان تلقت البحرية الأمريكية ضربة قاصمة بقطع رأس قيادتها الجوية في بحر العرب. البنتاغون حاول التعتيم برواية هبوط اضطراري لمروحية «سيهوك».
لكن الحقائق الاستخبارية حسمت الصيد الثمين بمقتل الجنرال غابرييل إدواردز، القائد العام لسرب قتال مروحيات النخبة والعقل المدبر لحماية وسائط الإنزال والدفاع البحري للاحتلال. وفي سياق الغدر اللوجستي، فضحت رادارات الملاحة الجوية تورط الإمارات بإرسال طائرتين للتزويد بالوقود لإسناد الطائرات الأمريكية المعتدية، ليأتي الرد الإيراني الأولي مدمراً باستهداف خمسة وثمانين موقعاً عسكرياً أمريكياً، مع بيان حارق من مقر «خاتم الأنبياء» يعلن استباحة أي جغرافيا تقدم التسهيلات للعدوان دون خطوط حمراء.


خليفة الدجل العثماني يتنفس برئة الموساد وينبطح بأمر الكاوبوي
حين يخلع سلاطين الناتو عباءة الخلافة الكرتونية ليرتدوا بدلات الخدمة الفاخرة، يقف رجب طيب أردوغان عند مدرج مطار أنقرة مستعرضاً خيوله ومدافعه وفرقه الانكشارية، بينما ترسم المقاتلات العلم الأمريكي في السماء، لا لاستقبال رئيس، بل لتقديم فروض الطاعة لإمبراطور البيت الأبيض دونالد ترامب. مشهد ملكي باذخ اختص به مجرم الحرب ترامب دون غيره من قادة الحلف الاثنين والثلاثين، ليوثق صك التبعية المطلقة التي لخصتها صحيفة «بوليتيكو» الأمريكية على لسان ترامب بكل بجاحة رأسمالية: «كل ما طلبته منه في أي وقت فعله لي». شهادة ملكية تسقط قناع البطل الزائف وتكشف أن رئيس تركيا في نظر سيده ليس سوى موظف تنفيذ مخلص خلف مسرحيات الصهيل وهدير المدافع.
لكن السلطان الساكن في محراب النفاق لم يكتفِ بالتبعية السياسية، بل وطأ مستنقعاً أخلاقياً أشد قذارة؛ فبينما كان يصول ويجول في الساحات متقمصاً دور حامي القدس وفلسطين، كان ثمة سرّ مخزٍ يربض في عتمة مستشفى «إيخيلوف» الصهيوني في «تل أبيب»؛ سرّ فجّرته القناة الرابعة عشرة الصهيونية وموقع «آي 24 نيوز» على لسان المتحدث السابق باسم المستشفى، آفي شوشان. اعتراف صهيوني رسمي يصفع جوقة المطبلين. فعندما نهش السرطان أحشاء أردوغان، وعجزت مشافي أنقرة، لم تنقذه طهران ولا الدوحة، بل هرع الموساد لإنقاذه، بأمر مباشر وتوقيع شخصي من رئيس وزراء الكيان، بنيامين نتنياهو، ورئيس جهازه الاستخباري، دافيد برنياع، اللذين أرسلا طبيباً من النخبة الصهيونية ليرتق حياته الآيلة للسقوط، ليخرج شوشان صارخاً بكل احتقار: «هذا الرجل الذي يهدد اليهود اليوم يعيش ويتنفس بفضل يهودي، بفضل إسرائيلي، بفضل بنيامين نتنياهو، وبفضل دافيد برنياع». هكذا يقبع الواعظ المتأسلم في قفص الدناءة مديناً بأنفاسه لجلاد الأطفال. يبيع لمريديه ثورة كلامية صاخبة بينما ينبض صدره بمشرط صهيوني.
هذا الانحطاط المقطر تجلى بأبشع صوره حين صدر الأمر الأمريكي الصارم للسلطان الأجير بأن يلتزم جحره ويبقى خارج خطوط المواجهة في حرب غزة، فامتثل صاغراً مطأطئ الرأس، وهو ما تباهى به ترامب علناً وبكل ازدراء: «أردوغان كان جيداً معنا. لقد بقي خارج حرب غزة بطلب مني، وكان يمكنه الانخراط في تلك الحرب ببساطة». هكذا تتبخر عنتريات الخلافة بطلب هاتفي من الكاوبوي، ليتحول الزئير الإعلامي لأردوغان في المهرجانات إلى مجرد نباح وظيفي مبرمج ينطلق بالوعيد ويسكت بجرعة من الهيمنة الأمريكية.
الخلاصة المُرة أن أردوغان ليس قائداً للمسلمين ولا حامياً للمقدسات، بل هو ممثل بارع في سيرك المصالح (الأمريكية - «الإسرائيلية»)، مجرد ترس تافه في آلة الأعداء، مديناً بحياته لنتنياهو وببقائه لترامب. تبّاً لزمن تحوّل فيه السلاطين إلى أجراء يكشف عوراتهم أسيادهم أنفسهم على شاشات التلفزة.