تقرير / لا ميديا -
فرضت الجمهورية الإسلامية الإيرانية معادلة ميدانية وسياسية حاسمة رداً على استمرار الخروقات الصهيونية؛ إذ أعلنت بحرية حرس الثورة الإسلامية، أمس، إغلاق مضيق هرمز بالكامل وفوري أمام جميع السفن، محذرةً إياها من الاقتراب من الممر المائي الاستراتيجي، ومؤكدة أن أي سفينة تخالف القرار ستكون معرضة للخطر.
جاءت هذه الخطوة الردعية رداً على الجرائم الصهيونية المتواصلة في لبنان، وانتهاك الولايات المتحدة لتعهداتها بضمان تنفيذ وقف إطلاق النار. وفي هذا السياق، أوضح مقر «خاتم الأنبياء» المركزي (غرفة العمليات المركزية للقوات الإيرانية) أن قرار الإغلاق يمثل الخطوة الأولى في الرد على نقض العدو لالتزاماته وإخلال واشنطن بالثقة وبنص البند الأول من مذكرة التفاهم لإنهاء الحرب، مشدداً على أن القرار جاء نتيجة عدم انسحاب قوات الاحتلال الصهيوني واستمرار اعتداءاتها وغاراتها على جنوب لبنان، ومحذراً من أنه في حال استمر هذا العدوان، فسيجري التخطيط لاتخاذ خطوات إضافية لإجبار العدو على الالتزام بتعهداته.
وفي المستوى الدبلوماسي، أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، مغادرة وفد إيراني برئاسة رئيس مجلس الشورى الإسلامي وكبير المفاوضين، محمد باقر قاليباف، متوجهاً إلى سويسرا لمتابعة تنفيذ تعهدات الطرف المقابل، بالتزامن مع عزم وزير الخارجية عباس عراقجي التوجه إلى هناك بناءً على التطورات الميدانية.
وشدد بقائي على ندية الخطاب الإيراني، موضحاً أن طهران لم توقع تفاهماً لن يتم تنفيذه، وأن مقاربتها السياسية ترتكز على قاعدة «الالتزام مقابل الالتزام»، لافتاً إلى أن البند الأول المتعلق بوقف الحرب بما يشمل جبهة لبنان هو الأهم، وأن عدم إجبار واشنطن للكيان الصهيوني على وقف عدوانه يعد انتهاكاً صريحاً. ونبهت الخارجية الإيرانية الإدارة الأمريكية إلى ضرورة الإسراع في تنفيذ بنود المذكرة كحزمة متكاملة، مؤكدة أن بنود وقف الحصار البحري وفتح مضيق هرمز نُفذت بناءً على الاتفاق الإطاري، وإذا لم تلتزم واشنطن ببقية التعهدات فإنها ستواجه مشكلات حقيقية، مشيرة في الوقت ذاته إلى أن طهران كانت قد أكدت عدم الاستعجال لعقد اللقاء بعد التوقيع الرقمي على المذكرة فجر 18 حزيران/ يونيو؛ لكن التحرك الحالي يأتي لتثبيت الالتزامات.

ارتباك في معسكر واشنطن 
في المقابل، يعكس التحرك الأمريكي حالة من الارتباك والمسارعة لاستيعاب الخطوات الإيرانية الحازمة؛ إذ أفادت التقارير الدبلوماسية بتوجه مبعوث الرئيس الأمريكي للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، إلى سويسرا، لينضم إلى صهر ترامب ومستشاره، جاريد كوشنر، المتواجد هناك بهدف بدء المفاوضات الرامية لإطلاق عملية مدتها 60 يوماً للوصول إلى تسوية نهائية تشمل البرنامج النووي الإيراني.
 من جانبه، أعرب نائب الرئيس الأميركي، جيه دي فانس، في تصريحات إعلامية أمس، عن إمكانية بدء المحادثات مع الجانب الإيراني اليوم الأحد، مبدياً تطلعه للتوجه إلى سويسرا لمتابعة التطورات، معبراً في الوقت ذاته عن ثقته في قدرة واشنطن على الحفاظ على وقف إطلاق النار، رغم الخروقات «الإسرائيلية» الواضحة.
وشهدت العاصمة السويسرية حراك وساطة بوصول رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري، محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، الذي التقى نظيره السويسري لبحث جهود تعزيز الأمن وبدء المفاوضات بين طهران وواشنطن. وتزامن ذلك مع حراك دبلوماسي موازٍ في طهران، حيث استقبل وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، صباح أمس، وزير الداخلية الباكستاني، محسن نقوي، في إطار مشاورات إقليمية مكثفة ترتبط بالتطورات الجارية وفرض شروط التهدئة. 
من جهتها، أصدرت وزارة الدفاع وإسناد القوات المسلحة الإيرانية بياناً، تعليقاً على التوجيه الأخير الصادر عن قائد الثورة الإسلامية، آية الله السيد مجتبى الخامنئي، أكدت فيه مواصلة تطوير القدرات العسكرية والجهوزية الدفاعية بقوة بالتوازي مع المسار الدبلوماسي، مشددة على أن مذكرة التفاهم الموقعة لا تمثل نهاية المطاف، بل هي بداية مرحلة مشروطة بالكامل بصون حقوق الشعب الإيراني وحلفائه في جبهة المقاومة، في مواجهة أطراف أثبتت أنها غير موثوقة.

اعترافات صهيونية وغربية بفشل العدوان على إيران 
وعلى وقع هذه التطورات، أقرت الأوساط السياسية والإعلامية في «تل أبيب» وواشنطن بالهزيمة الاستراتيجية؛ إذ أكدت صحيفة «معاريف» التابعة للاحتلال أن الكيان الصهيوني فقد تماماً قدرته على التأثير في موازين القوى الإقليمية، معترفة بأن مذكرة التفاهم الأمريكية - الإيرانية كرست طهران باعتبارها القوة الأكثر نفوذاً في المنطقة. 
وأشارت الصحيفة إلى أن رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، كان قد راهن على إسقاط النظام الإيراني، وأقنع ترامب بذلك، إلا أن فشل هذا الهدف أدى إلى تبخر الرهانات الصهيونية، مضيفة بحسرة: «لقد بقينا وحدنا في هذه المعركة»، ومحذرة من أن إيران نجحت في تعطيل مضيق هرمز بينما عجزت واشنطن عن ضمان فتحه، وأن محاولات نتنياهو لتفجير جبهة لبنان لإفشال المفاوضات لن تؤدي إلا لمضاعفة خسائر الكيان وتدهور أمن الشمال.
وفي واشنطن، أكدت مجلة «نيويوركر» الأمريكية أن الحرب التي شنها ترامب على إيران شكلت فشلاً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً ذريعاً للولايات المتحدة، مشيرة إلى أن غالبية الشعب الأمريكي يعتبرون الهجوم قراراً خاطئاً كلف دافعي الضرائب نفقات عسكرية مباشرة بلغت 29 مليار دولار، فضلاً عن استهلاك مخزون الصواريخ الدفاعية الأمريكية.
وفي السياق ذاته، كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» أن الأعباء المالية الإجمالية للحرب تجاوزت 132 مليار دولار، شملت نفقات عسكرية مادية، وإصلاح القواعد المتضررة، وصيانة حاملات الطائرات، ناهيك عن الأضرار التي لحقت بالأصول الأمريكية في المنطقة، واضطراب أسواق الطاقة العالمية التي رفعت أسعار النفط إلى 120 دولاراً للبرميل، ما حمل المستهلك الأمريكي 60 مليار دولار إضافية.
وحذرت التقارير الدولية، ومنها تحليل معهد الاقتصاد والسلام في سدني، من أن أي استئناف للأعمال العدائية قد يكلف الاقتصاد العالمي 2.2 تريليون دولار، ناهيك عن تسبب الحرب في نقص إمدادات الكبريت والأسمدة، ما يثبت محدودية القدرة الأمريكية وانكسار خياراتها العسكرية أمام القدرات الإيرانية.