عادل بشر / لا ميديا -
منذ الإعلان عن التفاهمات غير المعلنة تفاصيلها بين صنعاء والرياض، والتي بلغت ذروتها في العام 2023م، ووُصفت حينها بـ"خارطة طريق" تُمهّد لإنهاء حالة الحرب والانخراط في مسار تهدئة طويل الأمد، بدا وكأن اليمن يقف على أعتاب انفراج تدريجي، خصوصًا في الملفات الإنسانية الأكثر إلحاحًا (الرواتب، الأسرى، إلغاء القيود الاقتصادية، فتح الموانئ والمطارات، وصولاً إلى ترتيبات سياسية انتقالية). غير أن هذا المسار سرعان ما دخل في حالة جمود، ويمكن القول إنه تعثّر بشكل واضح، وسط تساؤلات متزايدة حول الأسباب الحقيقية وراء هذا التوقف، وما إذا كان مرتبطًا بعوامل داخلية أم بحسابات إقليمية أوسع.
أول ما يلفت الانتباه في هذا السياق هو أن السعودية، رغم كونها الطرف الأكثر قدرة على تقديم خطوات عملية سريعة، لم تُظهر حتى الآن -وفقاً لمراقبين- استعدادًا جديًا لتنفيذ الحد الأدنى من الالتزامات التي تم التوافق عليها. فملف الرواتب، الذي يُعدّ أولوية إنسانية ملحة لملايين اليمنيين، لا يزال معلقًا دون تقدم ملموس، رغم أنه كان يُفترض أن يكون المدخل الطبيعي لبناء الثقة. وكذلك الحال بالنسبة لملف الأسرى، حيث لم تُقدم الرياض على خطوات نوعية تعكس رغبة حقيقية في إنهاء هذا الملف الإنساني، وإنما بقي في دائرة الوعود والتسويف.
ويرى مراقبون بأن الرياض لم تُبدِ جدّية واضحة في تنفيذ استحقاقات "خارطة الطريق" الأممية التي وافقت عليها المملكة ومجلس التعاون الخليجي في كانون الأول/ ديسمبر 2023م، منذ اللحظة الأولى للحديث عن توافق مع صنعاء حول أبرز نقاطها وأهم ملفاتها الرئيسية، السياسية والاقتصادية والأمنية والإنسانية. وضاعف من هذا التسويف السعودي تسارع الأحداث الإقليمية، لا سيما بعد دخول صنعاء معركة إسناد غزة، وخوضها المعركة العسكرية مباشرة ضد الاحتلال الصهيوني والولايات المتحدة، ودخول البحر الأحمر في قلب معادلات الاشتباك الإقليمي.
في تلك المرحلة -إسناد غزة- استغلت الرياض انشغال صنعاء بالمعركة مع الكيان الصهيوني والولايات المتحدة، انتصاراً للشعب الفلسطيني، وعملت المملكة على وضع "خارطة الطريق" في حالة "تجميد سياسي"، خاصة بعد رفض صنعاء المساومة على القضية الفلسطينية، ومساعي واشنطن ومن خلفها الأمم المتحدة، لربط الملف اليمني، بمسار معركة إسناد غزة.
مؤخراً وفي ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتداعيات إغلاق مضيق هرمز، نتيجة العدوان "الأمريكي -الإسرائيلي" على إيران، بدأت السعودية تحركاتها لإعادة فتح قنوات التفاوض مع صنعاء، سعياً لتأمين مصالحها النفطية ومنع اتّساع رقعة الصراع إلى البحر الأحمر.
في هذا الإطار، يبرز مضيق باب المندب كعنصر حاسم في المعادلة. فالسعودية، التي تدرك أهمية هذا الممر الحيوي للتجارة العالمية وأمن الطاقة، تبدو اليوم أكثر اهتمامًا بتحييده عن أي تصعيد محتمل مرتبط بالصراع الإقليمي. هذه المخاوف من إغلاق مضيق المندب، دفعت الرياض، عبر الأمم المتحدة، إلى فتح مفاوضات مع صنعاء، ولكن من زاوية أمنية ضيقة تركز على التهدئة في هذا الممر، دون أن يقترن ذلك بخطوات موازية على المستوى الإنساني أو الاقتصادي.
مكتب المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ، أعلن في 21 نيسان/ أبريل الفارط، عقد جولة جديدة من الاجتماعات الفنية للجنة التنسيق العسكري، بين صنعاء والرياض، استضافتها عمّان على مدى يومين. موضحاً بأن النقاشات تركزت حول سبل خفض التصعيد، وتثبيت اتفاق وقف إطلاق النار في اليمن. إلا أن مراقبين شككوا في جدية المملكة، استناداً إلى مراوغاتها السابقة فيما يتعلق بالملف الإنساني والاقتصادي الذي طالما شدد سيد الجهاد والمقاومة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي، بأن تكون الأولوية لهذا الملف الهام.
وبالتأكيد فإن تحريك السعودية "ملف السلام" من جانبه الأمني فقط، في الظرف الحالي، هدفه تأمين مسار صادرات النفط السعودية في البحر الأحمر، ضاربة عرض الحائط بالاتفاقيات والوعود التي قدمتها في أوقات سابقة لصنعاء، وأهمها القيام بـ"حل جذري" ينهي المعاناة الإنسانية، لا سيما اتفاق إنهاء ملف الأسرى والمعتقلين، الذي وُقع أواخر كانون الأول/ ديسمبر 2025م، في سلطنة عمان، وقضى الاتفاق الذي رعته الأمم المتحدة، بتنفيذ صفقة تبادل تشمل الإفراج عن 1700 من أسرى صنعاء مقابل 1200 من أسرى الأطراف الأخرى، بينهم 7 سعوديين و23 سودانياً؛ ثم الانتقال إلى ملف المرتبات وفتح الطرقات باعتبارها أولوية إنسانية.
في المقابل، يُلاحظ أن صنعاء، رغم امتلاكها أوراق ضغط مهمة، لم تلجأ حتى الآن إلى استخدام هذه الأوراق بشكل مكثف لدفع السعودية نحو تنفيذ التزاماتها، وقسرها على الامتثال للحقوق اليمنية المتفق عليها، خصوصاً الاستحقاقات الإنسانية التي كان من المفترض أن تشهد تقدمًا خلال الفترة الماضية، والذي كان بإمكان تنفيذها أن يحقق تحسنا ملموسا في حياة الناس. وأي انفراج في ملف الرواتب أو القيود الاقتصادية والأسرى والمعتقلين، من شأنه أن يشكّل دفعة قوية لتعزيز ثقة الشارع بصنعاء وبثورة الحادي والعشرين من أيلول/ سبتمبر 214م، خصوصًا في ظل التأكيدات المتكررة على أولوية الجانب الإنساني.
وبخلاف ذلك، فإن استمرار هذا "التجميد" دون أفق زمني واضح، يثير مخاوف من تآكل الثقة الشعبية، خاصة في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي يعانيها المواطنون.
من هذا المنطلق، يبدو أن هناك فرصة يمكن البناء عليها، فحاجة السعودية إلى التهدئة في هذه الجبهة، يمكن أن تتحول إلى ورقة ضغط مشروعة لدفعها نحو تنفيذ الملفات الإنسانية. لكن ذلك يتطلب إدارة دقيقة لهذا الضغط، بحيث يكون ضمن إطار وطني واضح يركز على تحقيق مكاسب ملموسة للشعب، دون الانجرار إلى صفقات جزئية أو حلول مؤقتة لا تعالج جوهر الأزمة.
في الوقت نفسه، من المهم التأكيد على أن أي مقاربة قائمة على "تحييد" بعض الملفات الحساسة، كالممرات البحرية، لا ينبغي أن تكون على حساب الحقوق السيادية أو المصالح الوطنية. وإنما يجب أن تكون جزءًا من رؤية شاملة توازن بين حقوق الشعب اليمني ومتطلبات القضايا القومية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.