عباس الزين- موقع «المهد» (The cradle)
ترجمة خاصة:أقلام عبدالملك مانع / لا ميديا -
في 28 شباط/ فبراير 2026، تجاوزت منطقة غرب آسيا خطاً أحمر كان يخيّم على المنطقة لسنوات؛ خطاً تحدث عنه الدبلوماسيون بحذر، وناقشه المخططون العسكريون في جلسات مغلقة. شنت الولايات المتحدة، بالتنسيق العملياتي الكامل مع «إسرائيل»، هجوماً عسكرياً واسع النطاق على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، مستهدفةً جوهر قيادتها السيادية، وقدراتها الاستراتيجية الرادعة، والبنية التحتية التي تدعم كليهما.
وفي غضون ساعات، ردت طهران بضربات صاروخية عابرة للحدود استهدفت قواعد أمريكية عبر الخليج العربي، وعمق فلسطين المحتلة، جاعلة ما وصفته واشنطن بأنه ضربة وقائية حاسمة مرحلة افتتاحية لحرب إقليمية حذرت إيران منذ فترة طويلة من أنها ستتبع أي عدوان مباشر على أراضيها.
سرعان ما تجاوزت المواجهة مجرد الخطابات والردود الرمزية، ما أدى إلى تغيير المناخ الاستراتيجي للمنطقة بأكملها منذ الساعات الأولى.

 عقيدة قطع الرؤوس.. الصدمة والاغتيال وضربات البنية التحتية
بدأ الهجوم -الذي أطلقت عليه «إسرائيل» اسم «عملية الأسد الهادر» وأطلقت عليه واشنطن اسم «عملية الغضب الملحمي»- في الساعات الأولى من الصباح، بأكثر من 200 طائرة مقاتلة، بما في ذلك طائرات «إف 35»، انطلقت من قواعد إقليمية متعددة، تحت غطاء البحرية الأمريكية في بحر العرب.
إن تسلسل الأهداف، وعمق الاختراق، واستخدام الذخائر الثقيلة الخارقة للتحصينات، يعكس عقيدة عملياتية واضحة: قطع رأس القيادة، وفصل شبكات القيادة، وتعطيل القدرة على الرد قبل أن يتم حشدها بالكامل.
ركزت الموجة الأولى بشكل صريح على ما يعتبره المخططون «الإسرائيليون» والأمريكيون «رأس الهرم». وتم استهداف المواقع السيادية في طهران على التوالي بسرعة.
تعرض «حي السيد خندان» و«شارع الجامعة» للقصف، فاستُهدف مجمع بيت الرهباري (مقر المرشد الأعلى علي خامنئي)، والقصر الرئاسي ومبنى البرلمان. ونفذت أسراب من طائرات «إف- 35» غارات مكثفة على المحيط الأمني على طول «شارع باستور»، مستخدمة ذخائر خارقة للدروع مصممة لهدم المنشآت المحصنة تحت الأرض.
مع فجر الأول من آذار/ مارس، قطع التلفزيون الإيراني الرسمي برامجه ليعلن استشهاد آية الله خامنئي، بعد تدمير مقر إقامته ومراكز القيادة المجاورة. وأكدت التقارير مقتل شخصيات بارزة كانت تعقد اجتماعاً طارئاً لغرفة عمليات الدفاع العليا، من بينهم وزير الدفاع العميد عزيز ناصر زادة، وكبار قادة الحرس الثوري، ورئيس الأركان، ومسؤولون استخباراتيون، وأمين سر المجلس الأعلى للأمن القومي.
هدف الهجوم إلى إفراغ ما اعتبرته واشنطن و«تل أبيب» جوهر صنع القرار في الجمهورية الإسلامية بضربة واحدة ساحقة.
لم تقتصر الضربات على استهداف القيادة فحسب، بل امتدت لتشمل منشآت، في أصفهان وكرج وقم، مرتبطة بتخصيب اليورانيوم وتخزين الصواريخ الباليستية، إذ استُهدفت هذه المنشآت بموجات منسقة. كما استُهدفت أنظمة الدفاع الجوي في محاولة لإضعاف درع الردع الإيراني متعدد الطبقات وتشتيت تركيزه.
ذكرت هيئة البث التابعة للقوات «الإسرائيلية» في وقت لاحق أن ما يقرب من 500 هدف تم ضربها، بما في ذلك منشآت قيادة حساسة ومستودعات صواريخ مرتبطة بالحرس الثوري.
أعقب الهجوم العسكري سقوط ضحايا مدنيين. ففي مدينة ميناب الجنوبية، دمرت غارة جوية «مدرسة شجرة طيبة» الابتدائية للبنات، ما أسفر عنه استشهاد أكثر من 175 طالبة وإصابة العشرات. وانتشرت صور من الموقع بسرعة عبر وسائل الإعلام الإيرانية، مُغيرةً المناخ السياسي الداخلي. وقد عززت المجزرة تصميم الرأي العام، مُصوِّرةً المواجهة لا كنزاع استراتيجي مجرد، بل كصدمة وطنية ذات تداعيات تمتد لأجيال.

 «الوعد الصادق 4».. توسيع ساحة المعركة
لم يتطور رد إيران على مدى أيام من المداولات. فبعد أقل من ساعة من الهجوم الأولي، وبعد ساعتين فقط من بدء حملة القصف، أعلن الحرس الثوري الإسلامي إطلاق عملية «الوعد الصادق 4». وقد مثلت هذه العملية تصعيداً حاسماً وتاريخياً: استهدافاً مباشراً للقواعد العسكرية الأمريكية في جميع أنحاء غرب آسيا.
استهدفت الصواريخ مقر الأسطول الخامس في الجفير بالبحرين، رمز الهيمنة البحرية الأمريكية في الخليج العربي. كما استهدفت قاعدة العديّد في قطر، إحدى أكبر القواعد الجوية الأمريكية في المنطقة، إلى جانب قواعد ومنشآت في الإمارات والكويت والأردن، وقاعدة حرير في إقليم كردستان العراق.
ولأول مرة، وضعت طهران رسمياً كامل شبكة البنية التحتية الأمريكية المنتشرة في الخطوط الأمامية ضمن ساحة معركتها المعلنة، ما أدى إلى محو التمييز الذي طالما افترض بين الأهداف «الإسرائيلية» والأمريكية.
وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أوضح أن الرد استهدف «مصادر العدوان»، مؤكداً أن طهران لا تعتبر الدول المضيفة عدواً، بل تعتبر القواعد الأمريكية على أراضيها امتداداً لسيادة الولايات المتحدة. وأكد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، هذا الموقف، مصرحاً بأن هذه القواعد تشكل جزءاً من الأراضي الأمريكية، بغض النظر عن موقعها الجغرافي. وبالتالي، فإن أي منصة تُستخدم لمهاجمة إيران ستُعتبر جزءاً من الحرب.
في الوقت نفسه، أُطلقت مئات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة باتجاه فلسطين المحتلة، ودوت صفارات الإنذار في القدس و«تل أبيب» وحيفا... ورغم محاولات الاعتراض، سُجّلت إصابات مباشرة على منشآت عسكرية ومواقع استراتيجية، ما أجبر حكومة الاحتلال على إعلان حالة الطوارئ القصوى ونقل المستوطنين إلى الملاجئ.
وفي غضون ساعات، تلاشت هالة الحصانة الاستراتيجية التي أحاطت بالقواعد الأمريكية وبالعمق «الإسرائيلي» لعقود من الزمن.
وبعدما كانت «تل أبيب» قد انتهكت بالفعل وقف إطلاق النار، شن حزب الله، وهو ركن أساسي من أركان محور المقاومة، هجمات منسقة بالصواريخ والمسيّرات من جنوب لبنان باتجاه أهداف عسكرية داخل فلسطين المحتلة، في إشارة إلى أن إيران لن تقف وحدها في ساحة المعركة.
مثّلت هذه الضربات التصعيد الأخطر على الجبهة اللبنانية منذ حرب 2024، ما حوّل الأزمة فوراً إلى مواجهة متعددة الجبهات. ردّت «تل أبيب» بغارات جوية مكثفة على جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت مستهدفةً البنية التحتية للمقاومة، والمراكز اللوجستية، ومواقع القيادة المشتبه بها.
قصف بيروت أعاد لبنان إلى دائرة الصراع مباشرةً، ما قد يُفعّل مبدأ «وحدة الجبهات» الذي طالما تبنّاه محور المقاومة. ومع دخول حزب الله، لم يعد الصراع مجرد مواجهة ثنائية بين الولايات المتحدة وإيران، بل تحوّل إلى مواجهة إقليمية، كما توقّع الراحل خامنئي الشهر الماضي، مع تداخل جبهات القتال الممتدة من الخليج العربي إلى شرق البحر الأبيض المتوسط.

 مساعي واشنطن لتغيير النظام وأجندة «تل أبيب»
سياسياً، قدمت واشنطن و«تل أبيب» الهجوم كضرورة استراتيجية لا كعمل تصعيدي. وأعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أن الهدف هو القضاء الدائم على ما سماه التهديد النووي الإيراني، وربط العملية علناً بتغيير النظام، وحث الإيرانيين على «السيطرة» على بلادهم.
وجّه إنذاراً نهائياً للحرس الثوري الإيراني، مطالباً إياهم بإلقاء السلاح أو مواجهة الدمار والموت، ومنح الحصانة لمن يمتثل. وأوضح البيان أن الهجوم لا يقتصر على أجهزة الطرد المركزي ومستودعات الصواريخ، بل يستهدف جوهر النظام السياسي للجمهورية الإسلامية نفسها.
وصف رئيس الوزراء «الإسرائيلي»، بنيامين نتنياهو، الهجوم بأنه فرصة تاريخية لإعادة تشكيل غرب آسيا. وقدّم مسؤولون أمنيون «إسرائيليون» الهجوم على أنه ضربة استباقية ضد طموحات إيران النووية، مؤكدين على عنصر المفاجأة التكتيكية واتساع نطاق الأهداف المستهدفة. وبالنسبة لـ«تل أبيب»، فإن العملية تتماشى مع رؤية استراتيجية أوسع نطاقاً؛ إذ إن التفوق العسكري الساحق يضمن تأمين مشاريع التطبيع ومبادرات التكامل الإقليمي.
كان رد طهران حاسماً بالقدر نفسه. فقد أعلن مسؤولون إيرانيون انتهاء عهد الصبر الاستراتيجي، ووصفوا عدوان التحالف (الأمريكي - «الإسرائيلي») بأنه انتحار سياسي وعسكري. وأشارت مصادر رسمية إلى إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، وهي خطوة هزت أسواق الطاقة العالمية على الفور.
وسط تصاعد التوترات، أعلن الحرس الثوري الإيراني أنه استهدف عدة ناقلات نفط في مضيق هرمز والخليج، في حين أبلغت السلطات البحرية في البحرين وسلطنة عُمان عن اصطدامات سفن ووقوع إصابات ورفع مستوى التأهب البحري، ما يمثل تحولاً من الرد الرمزي إلى المواجهة البحرية المباشرة.

 السيناريو الأول: حرب شاملة وانهيار نظامي
المسار الأول والأخطر هو اندلاع حرب إقليمية شاملة. في هذا السيناريو، تصعّد إيران استهداف القواعد العسكرية إلى فرض إغلاق شامل لصادرات النفط من الخليج العربي. وقد يتحول الإغلاق المؤقت لمضيق هرمز إلى حصار دائم مدعوم بالألغام البحرية وبطاريات الصواريخ المضادة للسفن وتكتيكات بحرية غير متكافئة. وقد ترتفع أسعار النفط إلى ما يزيد عن 200 دولار للبرميل، ما يزيد الاقتصاد العالمي هشاشة ويضع ضغوطاً هائلة على الاقتصادات المعتمدة على الطاقة.
مع انخراط حزب الله بالفعل ونشاط الجبهة اللبنانية، ستواجه «إسرائيل» ضغوطاً متزامنة من إيران ولبنان واليمن والعراق. وسيؤدي تفعيل مبدأ «وحدة الجبهات» إلى استنزاف القدرات العسكرية «الإسرائيلية» وإجبار واشنطن على التفكير في التدخل المباشر على جبهات متعددة لحماية حليفها الإقليمي الرئيسي.
ستصبح القواعد الأمريكية في البحرين وقطر والكويت والإمارات والعراق أهدافاً ثابتة تحت تهديد مستمر، ما يحول رموز الانتشار إلى التزامات.
من شأن هذا التصعيد أن يختبر متانة البنية الإقليمية التي تتبناها واشنطن. فالمشاريع المبنية على فرضية التفوق العسكري «الإسرائيلي» -بما في ذلك مسارات التطبيع وممرات التكامل- قد تنهار تحت وطأة القصف المتواصل. وبدلاً من احتواء إيران، قد ترسخ الحرب الشاملة مكانة طهران وحلفائها كقوة إقليمية لا تُقهر، ما سيُسرّع التحول نحو نظام متعدد الأقطاب يتوسع فيه النفوذ الروسي والصيني على حساب هيمنة التحالف الأطلسي.

السيناريو الثاني: توازن قاسٍ في ظل القواعد الجديدة
ثمة احتمال ثانٍ يتمثل في استعادة الردع بعد الصدمة المتبادلة. فإذا رأت واشنطن أن أي تصعيد إضافي يُنذر بخسائر عسكرية وسياسية لا يمكن تحملها، ورأت طهران أن رسالتها قد وصلت بشكل كافٍ، فقد يتم التوصل إلى هدنة غير معلنة.
في ظل هذه الظروف، سيُصوّر المعسكر (الأمريكي - «الإسرائيلي») تعطيل المسار النووي الإيراني كإنجاز استراتيجي، متراجعاً عن تغيير النظام بشكل صريح. وستعتبر إيران الضربات المباشرة على القواعد الأمريكية والعمق «الإسرائيلي» دليلاً على انتهاء الحصانة الغربية. وسيتراجع الصدام إلى مرحلة جديدة من حرب الظل، تحكمها قواعد اشتباك أكثر صرامة وأكثر تساهلاً.
إلا أن عودة حزب الله تُعقّد أي خفض سريع للتصعيد. فالاشتباك على جبهات متعددة يقلل احتمالية التوصل إلى تفاهم ثنائي سريع. وقد تصبح عمليات تبادل الصواريخ، والعمليات السيبرانية، والاغتيالات المستهدفة، والضربات المُعايرة، آليات شبه منتظمة للإشارة، وستعيش المنطقة في منطقة رمادية مستمرة، لا هي حرب شاملة ولا سلام مستقر، مع بقاء الاستقرار الاقتصادي عرضة للتوترات باستمرار.

 السيناريو الثالث: حرب استنزاف مستمرة
بدلاً من ذلك، قد تختار طهران استراتيجية استنزاف طويلة تهدف إلى تقويض منطق الوجود الأمريكي دون إثارة رد فعل انتقامي واسع النطاق. وبدلاً من منح واشنطن ذريعة لتدمير البنية التحتية، يمكن لإيران وحلفائها رفع التكاليف تدريجياً.
بموجب هذا النهج، تتحول كل قاعدة أمريكية إلى منشأة محصنة تتعرض لنيران متقطعة من الطائرات المسيّرة والصواريخ. وقد يواجه مضيقا هرمز وباب المندب اضطرابات دورية كافية لزعزعة استقرار الأسواق دون فرض إغلاق كامل.
من المرجح أن تُكثّف «إسرائيل» عمليات الاغتيال والعمليات السرية، ما يُعمّق دوامات الانتقام. كما أن استمرار انخراط حزب الله اللبناني سيزيد الضغط على القدرات العسكرية «الإسرائيلية» وقدرات الدفاع الجوي.
على مدى أشهر، قد يؤدي الاستنزاف المستمر لمخزونات الذخائر وأنظمة الاعتراض وميزانيات الدفاع إلى تقويض المبرر الاستراتيجي للانتشار الأمامي. ومع ذلك، يفرض هذا الاستنزاف ضغوطاً داخلية على كل من إيران ولبنان. فالمواجهة المستمرة في ظل الحصار المشدد تتطلب مرونة اقتصادية وتماسكاً اجتماعياً واستقراراً سياسياً. وسيسعى الفاعلون الخارجيون إلى استغلال أي انقسامات داخلية.

 السيناريو الرابع: صدمة حاسمة وإعادة حساب سريعة
في مسار أخير، يُتوقع حدوث تمزق استراتيجي سريع. تفترض إحدى الفرضيات أن الهجوم الأولي سينجح في شلّ هياكل القيادة الإيرانية وإجبارها على تقديم تنازلات واسعة النطاق بشأن برامجها النووية والصاروخية. إلا أن سرعة ونطاق الرد الإيراني، الذي نُفّذ -رغم فقدان شخصيات قيادية بارزة- يُعقّد هذا التقييم.
يتمحور البديل حول انتكاسة أمريكية غير متوقعة. فقد يؤدي استهداف مباشر لأصل بحري رئيسي، أو تدمير مركز قيادة مركزي، مثل مقر الأسطول الخامس، أو شنّ ضربات معطّلة على قواعد متعددة، إلى رد فعل داخلي عنيف في واشنطن يكفي لإجبار الولايات المتحدة على إعادة تقييم الوضع فوراً. وإذا تعرّضت «إسرائيل» لنيران دقيقة متواصلة تهدد بنيتها التحتية الأساسية، فسيواجه صانعو السياسة الأمريكيون خطر أن استمرار الحرب يُعرّض حليفتهم وركيزتهم الإقليمية الرئيسية للخطر.