تقرير/ بشرى الغيلي / لا ميديا -
يستقبلُ المواطن اليمني شهر الصيام هذا العام بروحٍ لا تكسرها قسوة الظروف، ولا «انحسار» الكثير من العادات الاجتماعية والولائم التي غيبتها الحاجة قسراً. فبينما تراجعت مظاهر الترف واختفت أصنافٌ كثيرة من الموائد، حضرت «الكرامة» في أبهى صورها، وحل «التكافل» بديلاً عن البذخ.. لم يعد الاستعداد لرمضان سباقاً استهلاكياً كما كان، بل تحول إلى اختبارٍ أخلاقي عميق؛ حيث يقتسم الجار مع جاره «القليل» بعزة نفس، ويستر الميسور حاجة المعسر دون ضجيج. إنها لوحة يمانية خالصة، تثبت أن هذا الشعب قد يضطر للتنازل عن «كماليات» المائدة، لكنه لا يتنازل أبداً عن قيم التراحم والنخوة التي تجري في عروقه مجرى الدم.. «لا» تجاذبت أطراف الحديث مع المواطنين الذين عبروا عن ذلك ضمن التقرير..

الوجع الحقيقي
العجز في القدرة الشرائية يتحول في المنازل إلى «وجع صامت». يصف حاجب الوصابي (موظف حكومي) المشهد بمرارة: «يحل علينا رمضان هذا العام ضيفاً ثقيلاً على جيوبنا الخاوية. لقد ولّى زمن انتظار (الإكرامية) أو نصف الراتب، وبتنا اليوم لا ننتظر سوى رحمة السماء».
ويضيف بصوت مخنوق: «لم يعد استعدادنا للشهر مادياً، بل تحول إلى استعداد (نفسي) بحت لمحاولة التأقلم مع سياسة (يوم بيوم). الوجع الحقيقي ليس الجوع، بل تلك الانكسارة التي أشعر بها أمام نظرات أطفالي حين يطلبون ما تعجز يدي عن توفيره».

يتفرجون أكثر مما يشترون
في دكان صغير يضج بالصمت يقلب عبداللطيف الماوري (50 عاماً) دفتر ديونه الذي تضخم يقول بأسى: «حركة السوق (حركة بلا بركة). ولى زمن الشراء بـ(القطمة)، الناس اليوم يشترون بالنصف الكيلو وأحجام صغيرة. دفتر الديون أغلقته خجلاً وعجزاً، فالزبائن يتفرجون أكثر مما يشترون».

تقشف قسري
ومن هموم الأب إلى معركة الأم، حيث تخوض أم أمة الله (ربة منزل) حرب استنزاف يومية، تقول: «اضطررنا لفرض (التقشف القسري) على مائدتنا، فاختزلناها إلى الربع. غابت عن سفرتنا أطباق (الشفوت) و(اللحوح) التي كانت طقساً لا غنى عنه، ليصبح أقصى طموحنا اليوم صنفاً واحداً يسد الرمق».
وتشير إلى الكابوس الأكبر: «أعيش رعباً يومياً خشية أن تنفد أسطوانة الغاز في منتصف الشهر؛ فنحن في صنعاء حيث لا بديل ولا حطب، ما يجعل مجرد التفكير في الطبخ معركة أعصاب حقيقية».

هوية رمضان في خطر
الظاهرة الأخطر التي رصدتها «لا» ليست في ندرة الغذاء فحسب، بل في انحسار بعض العادات الرمضانية الجميلة.. هنا يشخّص الأخصائي الاجتماعي محمد السياغي الحالة بدقة، واصفاً ما يحدث بـ»التغير السلوكي القهري».
ويقول السياغي: «نحن أمام انكماش اجتماعي اضطراري فرضته الحاجة؛ الأسرة الصنعانية بدأت تتخلى مرغمةً عن طقوس (تبادل الأطباق) و(الولائم) خوفاً من التكلفة والحرج».
ويحذر الأخصائي الاجتماعي من «العزلة الشعورية»، مشيراً إلى أن الجيل الجديد بات يهرب من واقع الفقر إلى «الإنترنت» والنوم نهاراً، مما يهدد هوية رمضان الجامعة.

المرأة العاملة بين معركتين
وفي زوايا المدينة المنسية ثمة من يسكنون «الدكاكين».. جميلة (أرملة)، نموذج حي لهذا الرعب، فهي لا تخشى الجوع بقدر خشيتها من المؤجر، تقول لـ(لا): «هددنا بالإخلاء قبل العيد.. رمضان شهر رحمة، فهل تلين قلوب المؤجرين؟».
معركة أخرى تخوضها المرأة العاملة، تصفها انتصار الوصابي (كاشير) بـ«الجهاد الحقيقي»، حيث تُطحن الموظفة بين دوامة العمل لتوفير «حق المواصلات والإيجار» والسباق لتجهيز الفطور لعائلتها.. فتقع بين مطرقة العمل، وسندان واجبها الأسري.

أسعار لا ترحم
رغم قتامة المشهد.. يظل المغترب هو «الشريان» الذي يضخ الدماء في عروق البيوت. يحيى الزبيري (مغترب) صُدم بأسعار وصفها بأنها «لا ترحم»، لكنه يرى في نفسه وبقية المغتربين طوق نجاة للأهل.
أما فؤاد الكميم، فقد عاد من غربته ليعيش الأجواء قائلاً لـ(لا): «جئت لأسمع الناس والدريس قبل الإفطار، وأرى الأطفال في الحارات يلعبون بعد العشاء، واللمّات العائلية، فرمضان في الغربة (جاف) وهنا (حياة)، ورغم ارتفاع فواتير الكهرباء وغلاء المعيشة تظل النكهة الرمضانية في اليمن مميزة بروحانيتها».

تكافل اجتماعي
وفي مشهدٍ يؤكد تماسك النسيج المجتمعي، يكشف الوادعي عن مبادرة «سرية» في حارته، يقول عنها: «جمعنا من الميسورين والمغتربين لنسدد فواتير الكهرباء التجارية عن بيوت البسطاء والأرامل.. عيبٌ أن يفطر جارنا في الظلام ونحن نتفرج».
هذا التكافل هو ما دفع التاجر مسعود العليمي لتحويل «ولائم الوجاهات» إلى «مطبخ خيري» يطرق أبواب المحتاجين بسترٍ وخفاء في حارته..

استنفار حكومي
الوثبة المجتمعية يقابلها استنفار رسمي؛ حيث أكد أمين العاصمة ومكتب القائم بأعمال رئيس الوزراء في تصريحه لــ(لا) أن الدولة حاضرة بخدماتها لاستقبال الشهر الكريم رغم شحة الإمكانات، معولين على وعي المجتمع.
فيما دعت الجهات المرورية وجمعية حماية المستهلك، المواطنين إلى أن يكونوا «خط الدفاع الأول»، سواء عبر الالتزام المروري أو الوعي الاستهلاكي بتجنب السلع مجهولة المصدر.
الصورة في صنعاء ليست مجرد تراجيديا للفقر، بل هي ملحمةٌ للتسامي. فرغم قسوة الوضع الاقتصادي الذي ينهش في لحم المواطن، تأبى روح هذه المدينة أن تنكسر. قد تكون الموائد خالية من ألوان الترف، لكنها عامرة بدفء الأرواح التي تعلمت كيف تقتسم «القليل» لتصنع «الكثير».
إن رمضان هنا مدرسةٌ يُثبت فيها اليمني أن الكرامة لا تُشترى بالمال، وأن المآذن التي تصدح بـ«الله أكبر» كل مغرب، تعلن انتصاراً يومياً للإرادة الإنسانية على قسوة الظروف.