التقرير المحاسبـي كشف اختـلالات وعشوائية وبيانات متضاربة ومغلوطة

عادل بشر / لا ميديا -
أقرت محكمة جنوب شرق الأمانة حجز ملف قضية ما تسمى "شركة تهامة فلافور للاستثمار والتطوير العقاري"، للاطلاع وتقرير ما يلزم في الجلسة القادمة بعد الإجازة القضائية المقررة خلال شهر رمضان.
وأفاد "لا" مصدر قضائي بانتهاء مرحلة المرافعة وتقديم الأدلة في هذه القضية، وما تبقى هو اطلاع المحكمة على ملف القضية كاملاً ودراسته بدقة، تمهيداً للنطق بالحكم، الذي -وفقاً للمصدر- من المتوقع صدوره خلال الفترة الممتدة بعد عيد الفطر وقبل عيد الأضحى المباركين.
وأوضح المصدر أن المحكمة ألزمت أمانة السر باستغلال فترة الإجازة القضائية لاستكمال تحصيل ملف القضية، حرصاً من رئاسة المحكمة على إصدار الحكم قبل انتهاء العام الجاري 1447هـ.
وفيما يتعلق بأبرز ما تضمنه تقرير المحاسب القانوني المعين من قبل المحكمة، قال لـ"لا" المصدر ذاته إن التقرير كشف اختلالات وصفها المصدر بـ"الكبيرة" في النظام المحاسبي لـ"تهامة فلافور"، وأن أرشيف الشركة يتسم بالعشوائية وعدم التنظيم، والبيانات ناقصة ومتضاربة.
كما أظهر تقرير المحاسب القانوني -وفقاً للمصدر- عُهَداً مالية على المتهمة الرئيسية فتحية المحويتي بمبلغ ثمانية مليارات ريال.

وقائع الجلسة الـ47
وعقدت محكمة جنوب شرق الأمانة، الأربعاء، برئاسة القاضي جابر مغلس، الجلسة السابعة والأربعين للنظر في قضية النصب والاحتيال على 13589 مواطناً، وغسيل الأموال، والإدلاء ببيانات غير صحيحة، والمتهم فيها ما تسمى "شركة تهامة فلافور للاستثمار والتطوير العقاري"، ممثلة برئيس مجلس إدارتها فتحية المحويتي و40 شخصاً آخرين.
وشهدت الجلسة، التي استمرت نحو ثلاث ساعات ونصف، مرافعات ساخنة بين فريقي الادعاء والدفاع، إذ سيطر فريق الدفاع عن المتهمين على قرابة نصف وقت الجلسة، مُتهماً تقرير المحاسب القانوني المكلف من المحكمة بأنه "خرج عن أعراف وتقاليد المحاسبة" وأنه تضمّن "معلومات مغلوطة وكلاماً غير صحيح على الإطلاق".
وأكد محامي المتهمين الرئيسيين في مرافعته أن "المحكمة لن تستطيع الوقوف على كامل الأمور في القضية إلا من خلال تكليف محاسب قانوني متمكن للقيام بالمراجعة وتحديد المركز المالي للشركة والكيانات التابعة لها".
وقال إن "الثابت من قرار الاتهام أنه بني جزافاً دون معلومات محددة تضمن حقوق المساهمين والشركة على حد سواء"، مضيفاً أن "هناك العديد من المبالغ المالية والأصول والممتلكات التابعة للشركة، متناثرة ما بين مكتب النائب العام الذي يوجد فيه مبلغ 130 ألف ريال سعودي، ونيابة استئناف جنوب الأمانة ونيابة استئناف محافظة ذمار ونيابة استئناف محافظة إب ونيابة المحويت والحديدة، بخلاف المبالغ المالية المتناثرة في شبكات وشركات الصرافة الخاصة بشركة النخبة وشركة تهامة للصرافة، إضافة إلى أن هناك كميات من الذهب الخاصة بالشركة لا نعلم أين مصيرها".
وطالب فريق الدفاع المحكمة بتشكيل لجنة للوقوف على أصول وممتلكات الشركة المعرضة للتلف وبيعها وتوريد مبالغها حتى لا تضيع وتفقد قيمتها مع مرور الوقت.
وناشدوا هيئة المحكمة أن "لا يكون الحال مثلما هو في قضية قصر السلطانة ورئيستها بلقيس الحداد"، التي قال إنها "لا يوجد لها أي مشاريع أو أصول على أرض الواقع؛ ولكن إجراءات النيابة العامة أدت إلى إضاعة حقوق المساهمين فيها". أما "تهامة فلافور" -وفقاً له- "لديها العديد من المشاريع والأنشطة العقارية والزراعية والصناعية والمصرفية والخدمية والتعليمية وغير ذلك، ويفترض على المحكمة كما هو معلوم عنها بخبرتها اتخاذ الإجراءات اللازمة لتشغيل تلك المشاريع، خصوصاً وأن استمرار إغلاقها سيؤدي إلى انخفاض قيمتها، وكل ذلك ضرر على الشركة وقيادتها والمساهمين"، حدّ تعبيره.
وأفاد بأن "الشركة وفروعها مرخصة وبينها وبين العملاء والمساهمين عقود مضاربة واضحة وصريحة لا يوجد فيها أي تضليل أو غش أو أكل أموال الناس بالباطل"، قائلاً بأن "العلاقة بين الشركة والمساهمين تجارية بحتة، وكان المفترض إحالة القضية إلى محكمة تجارية مختصة".
من جهته أكد عبداللطيف المحيا، المحامي عن عدد من الضحايا، أن "القضية جنائية بحتة وفقاً لما ورد في قرار الاتهام وفقاً لنص المادة (221) من قانون الإجراءات الجزائية"، مطالباً المحكمة بعرض المحجوزات والمحرزات والمضبوطات لمناقشتها، وإعادة أموال المساهمين وسرعة الفصل في القضية والحكم فيها وفق القانون.
وفي السياق أفاد زيد الربيعي، المحامي عن قرابة ألفي ضحية، بأن ما جاء في مرافعة فريق الدفاع عن المتهمين، وما تم إثارته من قبلهم خلال الجلسة "الغرض منه إطالة أمد النزاع، مع أن القضية قد استوفت جميع إجراءاتها وأصبحت صالحة للحكم فيها".
وأوضح أن التقرير المحاسبي كشف أنه خلال الأعوام 2019 و2020 و2021... إلخ حصلت خسائر للشركة بعشرات المليارات، لافتاً إلى أن "المشاريع التي يتحدث عنها فريق الدفاع لم تكن سوى مشاريع تستخدم كوسيلة للإيقاع بالمساهمين، وتبين ذلك من خلال شهادة إحدى الضحايا أفادت بأنها سلّمت فتحية المحويتي مبلغ 7 ملايين ريال كمساهمة في الشركة، وأن المحويتي قامت في الوقت نفسه بصرف المبلغ كأرباح لمساهمين قدماء كانوا موجودين في تلك اللحظة".
وأشار إلى أن المتهمة الرئيسية فتحية المحويتي سبق أن أكدت في إحدى الجلسات أن قيمة أملاك "تهامة فلافور" تفوق ما يخص المساهمين. وتساءل: "إذا كان ذلك صحيحاً، فلماذا لا تُقدم المحويتي للمساهمين أموالهم، وتفتدي نفسها والعاملين لديها من السجن؟!".
وفي الجلسة ذاتها، قدمت النيابة العامة للمحكمة فلاشاً إلكترونياً يحتوي على 103 كشوفات وقسائم تحريز تتضمن بياناً مفصلاً بالمحرزات والمضبوطات التابعة لما تسمى "تهامة فلافور".
وأقرت المحكمة منح المحاسب القانوني أجلاً للرد على ما قدم من الأطراف في القضية من ردود على تقريره، وعليه تقديم ذلك قبل موعد الجلسة القادمة المقررة في 22 نيسان/ أبريل القادم، بفترة كافية لتتمكن المحكمة من الاطلاع عليه.

قرار الاتهام
وتتهم النيابة العامة ما تسمى "شركة تهامة فلافور للاستثمار والتطوير العقاري"، ممثلة برئيس مجلس إدارتها فتحية المحويتي و40 شخصاً آخرين، بأنهم قبل ضبطهم في آذار/ مايو 2023، ارتكبوا جريمة غسيل أموال، إذ جمعوا مبالغ مالية كبيرة من الضحايا تتجاوز 136 ملياراً و966 مليون ريال يمني، و19 مليوناً و23 ألف ريال سعودي، و7 ملايين و938 ألف دولار، وحصلوا بغير حق -خصوصاً المتهمين من الأول حتى الثاني عشر في قائمة الاتهام- على فوائد مادية لأنفسهم ولغيرهم هي مبالغ مالية تزيد على 56 ملياراً و927 مليوناً و963 ألف ريال يمني، وأربعة ملايين و660 ألف ريال سعودي، وثلاثة ملايين و95 ألف دولار أمريكي، من الضحايا المجني عليهم، وفق نظام الاحتيال المالي المعروف عالمياً بـ"مخطط بونزي"، وذلك باتباع طرق احتيالية ونصب واتخاذ مظاهر مادية كاذبة وأسماء تجارية غير صحيحة، وأوهموا ضحاياهم -وعددهم في النظام المحاسبي للشركة يتجاوز 13589 ضحية- بوجود أنشطة استثمارية (عقارية، تجارية، صناعية) مربحة يتم من خلالها تشغيل وإدارة أموال المساهمين واستثمارها للحصول على أرباح سريعة وعوائد مرتفعة، في حين أن ما سمي "الأنشطة الاستثمارية" ما هي إلا مشاريع صغيرة أنشأها وسجلها المتهمون بأسمائهم من أموال الضحايا ولم تُدرّ أي أرباح يمكن تسليمها للمساهمين، وعززوا تلك المزاعم والأكاذيب بتوزيع مبالغ مالية من أموال الضحايا الجدد للضحايا القدامى باسم أرباح شهرية وفصلية، وهو ما جعل المجني عليهم يعتقدون بصحتها فوقعوا ضحية التدليس والخداع، ناهيك عن إبرام ما سمي "عقود مضاربة" متضمنة الوعد بأرباح وهمية محددة سلفاً تصل أحياناً إلى نسبة 5٪ من رأس المال والاستعانة بعدد من الأشخاص "الوسطاء" المرتبطين بهذه الأعمال لتأييد مزاعمهم وجذب أكبر عدد ممكن من الضحايا.
وأشار قرار الاتهام إلى أن المتهمين في تلك العمليات تخفوا وراء كيانين وهميين، هما "مؤسسة تهامة فلافور للاستيراد والاستثمار العقاري والتجاري" و"شركة تهامة فلافور للتجارة والاستيراد والخدمات العامة" وكيان قانوني هو "شركة تهامة فلافور للاستثمار والتطوير العقاري"، وهذا الكيان لا تخولهم طبيعته القانونية تلقّي الأموال أو طرح الأسهم.
كما قام المتهمون، وفقاً للنيابة، بإنشاء مقرات وفروع بأسماء هذه الكيانات، في أمانة العاصمة ومحافظات ذمار وإب والمحويت، وروجوا لذلك عبر وسائل الإعلام المختلفة ومنصات التواصل الاجتماعي، واستضافوا مسؤولين حكوميين، وبهذا استطاعوا جمع المبالغ المالية المذكورة، ما مكنهم من اكتساب أصول مالية ومزاولة أنشطة تجارية وعقارية في الداخل والخارج وحيازة مقتنيات ثمينة لا تتناسب مع وضعهم ودخلهم المادي.
وقام المتهمون، وفقاً لقرار الاتهام، بغسل الأموال المحصلة من جريمة النّصب، باكتساب أصول مالية عقارية، ومنقولات بأسمائهم. كما أدلت المتهمة الأولى وخمسة من المتهمين في القضية، أمام وزارة التجارة والصناعة، بإقرارات كاذبة وبيانات غير صحيحة في عقد التأسيس والنظام الأساسي لما سمي "شركة تهامة فلافور للاستثمار والتطوير العقاري والتجاري"، تفيد بإيداعهم مبلغ 100 مليون ريال لدى أحد البنوك وتوزيع الأسهم النقدية فيما بينهم عند التوقيع خلافاً للحقيقة، وذلك لاكتساب صفة الشركاء المؤسسين، وحصلوا بموجب ذلك على الترخيص الوزاري بتاريخ 13 شباط/ فبراير 2019، بتأسيس الشركة المذكورة.
وتُعد قضية "تهامة فلافور" واحدة من أكبر قضايا النصب والاحتيال، إلى جانب مجموعتي "قصر السلطانة" و"إعمار تهامة"، التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة، ووقع ضحية المجموعات الثلاث نحو 130 ألف مواطن بأكثر من 211 ملياراً و726 مليون ريال.