تقرير/ نشوان دماج / لا ميديا -
الفضائح لا تتوقف، بل تتوالى بشكل مرعب لتطال عروشا وحكومات وزعامات وأحزابا وبرلمانات وجامعات وشخصيات بارزة من شتى الجنسيات والأقطار. وكأنها لن تترك أحدا من حثالات الأرض إلا وفضحته. حثالات العرب حاضرون هم أيضا ممثلين بممالك النفط، حيث برزت أسماء إماراتية وسعودية في الملفات. 
كل ذاك يؤكد حقيقة أن العالم صار يحكمه القوادون، حيث الإله بعل حاضر في نسخته العصرية الحديثة، وحيث جيفري إبستين يشيد ديانة الغرب الحقيقية.

أرشيف إبستين.. فضائح لا تنتهي
ثلاثة ملايين صفحة، وأكثر من 180 ألف صورة، وألفي مقطع فيديو، تم إخراجها للعلن كدفعة أولى من الوثائق المتعلقة بمجرم الاتجار بالقاصرات الملياردير الأمريكي الصهيوني جيفري إبستين، ليشهد العالم صدمة أخلاقية غير مسبوقة ستظل تداعياتها تعصف به طويلا.
هذه الوثائق لم تكن مجرد أرشيف فضائحي للاتجار بالقاصرات وقتل الأطفال وإدارة شبكة دعارة عابرة للقارات، بقدر ما أنها سجل دامغ يكشف الوجه الحقيقي للحضارة الغربية، التي طالما تشدقت بحقوق الإنسان والدفاع عنها، ليكتشف العالم أنها كانت أكبر المتاجرين بتلك القضايا والمنتهكين لها.

أسماء عالمية في قلب الفضيحة
وعلى الرغم من أن جيفري إبستين، الممول الأمريكي الصهيوني، هو محور تلك الفضيحة العالمية، إلا أن الوثائق تكشف تباعا عن أسماء من العيار الثقيل، حيث رؤساء أمريكيون مثل دونالد ترامب، وبيل كلينتون، وباراك أوباما، وحيث شخصيات صهيونية بارزة مثل إيهود باراك وبنيامين نتنياهو، وشخصيات هجينة مثل إيلون ماسك وغيره، وحيث التاج البريطاني والنرويجي، والمجزرة السياسية التي تشهدها أوروبا والتي أطاحت بأمراء ووزراء وقادة أحزاب، كل ذلك يكشف عن تداعيات سيكون لها أثرها البالغ في الصورة النمطية الزائقة التي حاول الغرب صنعها لنفسه طيلة قرون.

أوروبا العاهرة.. ماذا بعد؟
بحسب تحليل نشرته مجلة نيوزويك، تعيش المملكة المتحدة زلزالا سياسيا بعد تعيين رئيس الوزراء كير ستارمر لبيتر ماندلسون سفيرا في واشنطن رغم علاقته الطويلة بإبستين، ما فجّر أزمة سياسية دفعت كبار مساعدي ستارمر للاستقالة.
وفي النرويج، استقالت سفيرة البلاد في الأردن والعراق مونا يول بعد تقارير عن وصية ترك فيها إبستين عشرة ملايين دولار لطفليها.
أما في فرنسا، فقد أطاحت الفضيحة بوزير الثقافة السابق جاك لانغ رغم نفيه ارتكاب أي مخالفات، فيما الألمان وبقية الأوروبيين يتحسسون رؤوسهم ويتابعون الأمر بقلق بالغ.
الحضور المشرف للعربان
لم تكن الأسماء العربية غائبة عن المشهد، فكالعادة يأتي بعران النفط في صدارة العهر العالمي، حيث يرد اسم ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، مصحوبا بصور تجمعه بإبستين في لقاءات وُصفت بالحميمية.
وتكشف إحدى الرسائل الإلكترونية عن دعوة رسمية باسم ابن سلمان لجيفري إبستين لزيارة المملكة، فيما تظهر المستشارة عزيزة الأحمدي وقد أهدت إبستين قطعة من كسوة الكعبة، في مشهد يثير أسئلة أكثر مما يقدّم إجابات.
أما في الإمارات، فقد ورد اسم سلطان بن سليم، رئيس موانئ دبي السابق، كأحد المقربين من إبستين، قبل أن يُقال من منصبه ويخلفه عيسى كاظم، الذي ظهر بدوره في مراسلة يتيمة مرتبطة بزيارة رسمية عام 2010. ورغم أن الوثائق لا تدينه مباشرة، إلا أنها تفتح بابا واسعًا للتساؤل حول طبيعة علاقاته وتشابكها مع إبستين ودوائره.
وتزداد الصورة قتامة مع رسالة من بن سليم إلى إبستين تتعلق بعملية إسرائيلية في دبي، يُرجَّح أنها اغتيال القيادي الفلسطيني محمود المبحوح، ما يربط بين خيوط السياسة والمال والاستخبارات في شبكة واحدة.
كما تكشف الوثائق عن علاقة ممتدة لثلاث سنوات بين إبستين والدبلوماسية الإماراتية هند العويس، التي ورد اسمها في مئات المراسلات، وتكررت لقاءاتها معه في منزله الفاخر بمانهاتن، حيث كانت الدعوات تأتي بصيغة مقتضبة: «تعالي لتريني»، لتتحول إلى لقاءات غداء وعشاء ومشاريع مشتركة، أحيانا بمشاركة شقيقتها هالة.

السيرة المظلمة لإبستين
بحسب السيرة «العطرة» للمجرم إبستين فقد بدأ مسيرته في التدريس، ثم انتقل إلى العمل في بنك بير ستيرنز في السبعينيات، حيث تخصص في إدارة الأموال للأثرياء.
لاحقا أسس شركته الخاصة لإدارة الثروات، وكان يقدّم نفسه كـ«مستشار مالي» للنخبة، فامتلك عدة عقارات فاخرة، أبرزها قصر في مانهاتن، وجزيرة خاصة في جزر فرجن، ومزرعة واسعة في نيو مكسيكو، التي ارتبطت بمخططاته المثيرة للجدل حول زرع حمضه النووي.
أما علاقاته السياسية والاجتماعية: فقد كوّن شبكة علاقات واسعة مع شخصيات سياسية وأكاديمية وعلمية، من رؤساء أمريكيين سابقين إلى أمراء بريطانيين، إضافة إلى رجال أعمال بارزين.
وبحسب الوثائق فقد كان إبستين على علاقة وثيقة بجهاز الاستخبارات الصهيوني (الموساد)، أتاحت له أن يتدخل في أنشطة مثيرة للجدل، منها تمويل الأبحاث العلمية، حيث عرض تمويل مشاريع بحثية في الفيزياء والعلوم العصبية والوراثة.
كما نظم مؤتمرات حضرها «علماء» بارزون، حسبما يروج لهم الغرب، مثل ستيفن هوكينغ وكيب ثورن، لكنه كان يوجّه النقاش نحو تحسين الجينوم البشري.
كما تكشف الوثائق الأخيرة هوسه بما يعرف بالترانسهيومانية والتعديل الجيني، أي إنجاب أطفال «متفوقين» عبر تعديل الأجنة وراثيًا، ومراسلاته مع علماء في MIT وغيرهم حول «أطفال حسب الطلب».
أما مشاريعه الشخصية فقد خطط لإخصاب عدد كبير من النساء في مزرعته بنيو مكسيكو بهدف «نشر» حمضه النووي، وهو ما أثار صدمة واسعة عند كشفه.
طيلة عمله القائم على جلب الفتيات القاصرات إلى جزيرته للاستمتاع بهن هو وزبانيته، وتجارته الطويلة بالأطفال، لعب المجرم إبستين دورا في تسهيل اللقاءات بين النخبة العالمية في جزيرته، حيث تمارس هناك طقوس شيطانية تشمل جرائم اتصال وتعذيب أطفال وتقديمهم قرابين.
 وتظهر الوثائق أن اتصالاته بتلك النخبة استمرت حتى بعد إدانته عام 2008، قبل أن يعلن في 2019 عن وفاته منتحرا في أحد السجون الأمريكية، وهو ما ينفيه خبراء نفيا قاطعا مؤكدين أن الموساد الإسرائيلي استطاع تهريبه إلى تل أبيب بتواطؤ من الإدارة الأمريكية.

سقوط الأقنعة.. العالم في قبضة القوادين
ما تكشفه وثائق إبستين باختصار هو انهيار كامل لحضارة طالما تزيّنت بشعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان. لقد سقطت الأقنعة، وظهر الوجه الحقيقي: شبكة من المال والسياسة والاستخبارات، تحكمها الطقوس الشيطانية والابتزاز، وتشارك فيها عروش الغرب وديمقراطياته تحت راية الإله بعل والجندي إبستين، حيث يُباع الأطفال وتُشترى الفطرة، وحيث تُصاغ السياسات على موائد العهر والدم، وحيث الغرب، بكل مؤسساته ونخبه، قد انخرط في طقوسه المظلمة متعبدا لذلك الإله الشيطاني عبر شبكات المال والفضائح.