من الحصار إلى امتلاك زمام المبادرة
- زياد السالمي الأثنين , 21 سـبـتـمـبـر , 2026 الساعة 12:03:11 AM
- 0 تعليقات

زياد السالمي / لا ميديا -
اثنا عشر عاماً مرّت، والحرب لم تكن عابرة؛ حصار، غارات، جبهات، ضغوط... وأيام كان المطلوب فيها أن تتراجع صنعاء خطوة بعد أخرى حتى تنتهي المعادلة كما أرادها الآخرون... لكنها بقيت، وهنا يبدأ الكلام الحقيقي.
ففي الحروب الطويلة، ليست المسألة من يرفع صوته أكثر، وإنما من يبقى واقفاً عندما تتساقط الرهانات من حوله، والذي تغير خلال هذه السنوات أن صنعاء لم تعد تُقرأ فقط باعتبارها مدينة تتلقى الضربات؛ بل أصبحت جزءاً أساسياً من حسابات من يخطط للحرب ومن يبحث عن نهايتها.
من كان ينتظر أن تنكسر صنعاء، وجد نفسه مضطراً إلى حساب ما تستطيع صنعاء أن تفعله، وهذا هو الفارق، في البداية كان الضغط يأتي إليها، ثم بدأت هي تملك أدوات القوة، وكانت المعركة تُراد داخل اليمن، ثم اتسعت الحسابات لتصل إلى البحر الأحمر وباب المندب، وإلى العمق السعودي، وإلى مصالح إقليمية ودولية لم تعد تستطيع التعامل مع اليمن باعتباره هامشاً بعيداً عن مراكز القرار. هذه ليست مجرد جغرافيا، هذه ورقة قوة. واليمن، الذي يمتلك هذا الموقع، لا يمكن أن يكون مجرد ساحة تنتظر ما يقرره الآخرون. وصنعاء تعرف ذلك، لكن القوة التي صنعتها سنوات المواجهة ليست في السلاح وحده؛ القوة أن تصمد عندما يُراهن الآخرون على انهيارك، القوة أن تحتفظ بأوراقك عندما يظن خصمك أن الزمن يعمل ضده، القوة أن تتحول من هدف للضغط إلى طرف يحسب الآخرون رد فعله قبل أن يخطوا خطواتهم.
ومن هنا جاءت المبادرة. لم تعد صنعاء تنتظر دائماً أن يبدأ الآخرون حتى تحدد موقفها؛ أصبحت قادرة على التأثير في إيقاع المشهد، وعلى جعل خياراتها جزءاً من حسابات المنطقة. وهذا لا يعني أن الطريق انتهى، بل يعني أن موقع البداية تغيّر.
صنعاء اليوم ليست صنعاء التي بدأت الحرب. والمنطقة التي بدأت الحرب فيها ليست المنطقة نفسها. والأطراف التي دخلت الحرب بحسابات معينة أصبحت أمام سنوات من الوقائع التي أعادت تشكيل تلك الحسابات.
إن أعظم معنى للقوة ليس أن تقول: نستطيع الاستمرار، بل أن تقول: نستطيع أن نحدد متى وكيف تنتهي هذه الحرب. هنا تصبح المبادرة قدرة على تحويل سنوات الصمود إلى موقع سياسي، وتحويل القوة إلى تفاوض، وتحويل أوراق الضغط إلى نهاية تحفظ لليمن قراره ومكانته ومستقبل أبنائه. لقد كان الرهان يوماً أن الحصار سيجعل صنعاء تتراجع؛ لكن السنوات حملت معها نتيجة مختلفة: الحصار لم يمنع صنعاء من البقاء في قلب المعادلة، ومن مدينة محاصرة ومحارَبة، أصبحت عاصمة لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن مستقبل اليمن.
ليست الحكاية حكاية غرور بالقوة، ولا دعوة إلى حرب لا تنتهي؛ إنها حكاية اثني عشر عاماً تقول إن اليمن ليس مجرد رقم في حسابات الآخرين، وأن صنعاء، مهما كان الخلاف حولها، أصبحت حقيقة سياسية وعسكرية لا يمكن تجاوزها في أي حديث جاد عن نهاية الحرب، والفصل القادم هو الأصعب.
فبعد أن أثبتت صنعاء قدرتها على الصمود، ها هي تثبت قدرتها على السعي لحسم المعركة وحفظ الوطن من التمزق والارتهان، وأن تجعل من المبادرة وسيلة لاستعادة الحياة، لا سبباً لإطالة المعاناة. ذلك هو المعنى الذي ينتظره الناس، أن تتحول سنوات الصمود إلى مستقبل، وأن يتحول الخوف إلى أمان، وأن تعود صنعاء إلى ما يجب أن تكون عليه: مدينة حياة، لا مدينة حرب. اثنا عشر عاماً كانت كافية لتعرف المنطقة أن صنعاء ليست هامشاً يمكن تجاوزه. والمرحلة القادمة وحدها ستكشف كيف ستستخدم صنعاء زمام المبادرة الذي صنعته سنوات الصمود.










المصدر زياد السالمي
زيارة جميع مقالات: زياد السالمي