إفراج عن خواطر مؤجلة
 

شرف حجر

شرف حجر / لا ميديا -
جمعت ثورة الـ21 من أيلول/ سبتمبر في بدايتها كل شتات اليمنيين ممن انتظروا بزوغ فجر هذا التغيير الذي تشكل كمشروع ثوري حر ووطني تكاملت مقوماته: قائد وشعب ومشروع، وجد فيه اليمنيون حلمهم الذي يتمنون لبناء الدولة وتحقيق المشروع: حياة كريمة ومستقبلا ينتشلهم من واقع التفقير وإيجاد عدالة شاملة اجتماعياً وقضائياً واقتصادياً ومعيشياً... إلخ.
استبشر اليمنيون بلمّ الشمل مع إخوانهم من كل المحافظات ثواراً في ساحة الحراك الثوري في "الجراف" بعد سنوات وست حروب فرقت بين أبناء اليمن، ليجتمع شملهم في ثورة نقية لم يعلن الانضمام لها الأشرار كما حصل في 2011، ويعرف الجميع ما تم وكيف لعبت السفارات في إدارة المسلسل وألحقت عملاءها لتصدر المشهد وإدارة السيناريو، بينما ثورة الـ21 من أيلول كانت خالية من كل تلك التدخلات والمؤامرات الخارجية والإقطاعية العميلة، ما جعل السواد الأعظم من أبناء الشعب يلتحقون بصفوف الثورة الجديدة التي يرون فيها أنفسهم وحاضرهم والمستقبل الجديد للخلاص من الإقطاع السياسي والرأسمالي والجهوي القائم على الفرز المناطقي ومراكز القوى التي كبلت الدول وسيطرت على كل شيء على حساب المواطن وحياته.
سرعان ما شعر العالم المستكبر بخطورة المشروع الثوري المستوفي لشروط الانتصار والتغيير، ليشن هجمته الدولية في محاولة لوقف وإجهاض المشروع الذي أسقطهم وأسقط أدواتهم، وشن عدوانه الكوني لكي لا تستقر الثورة ويبنى اليمن الخارج سيطرتهم ونطاق نفوذهم، وتسع سنوات من الحرب المستمرة حتى اللحظة.
اليوم، الأعداء، ابتداء من أمريكا وبريطانيا والصهاينة، وصولاً إلى عملائهم من الخونة والمرتزقة بعد فشل العدوان عسكرياً، لا يريدون ترك اليمن ورفع أيديهم عنه، بل لن يتوقفوا عن استهدافهم لليمن واليمنيين والمشروع الثوري وحاضنته الاجتماعية كمرحلة ثانية وخطة بديلة للعب داخلياً بكل الوسائل وتوظيف كل ما يتوفر ميدانياً.
معروف عن الأعداء التحرك في نشاطهم معتمدين على تحليل ميدان الخصم بموجب دراسات استراتيجية ومعلومات وتقييم وتخطيط لاستغلال كل متاح. وهنا، بعد فشل المواجهة العسكرية التي استخدموا فيها كل شيء من تدمير وحصار وقتل وتجويع ومرتزقة، ماذا تبقى ليوظفوه لضرب الساحة الداخلية والحاضنة الشعبية للثورة؟! لديهم ثلاثة أهداف، هي: المشروع الثوري، سيد الثورة (يحفظه الله) كقائد انتصر في قياده المواجهة العسكرية، والشعب الملتحم بسيد الثورة في أي مواجهة يقرر السيد القائد خوضها.
اليوم، المزريون يسيئون ومازالوا في البدايات؛ فكيف لو...؟! كل ما يحصل من اختلالات وفساد إداري وإهدار لمقدرات الدولة وإهمال ولامبالاة وتجرؤ على المواطن مؤامرة خطيرة لاستهداف وضرب معادلة انتصار المشروع الثوري المتجسد في "مشروع وقائد وشعب".
ما يتم اليوم الغرض منه فصل وإبعاد الشعب عن سيد الثورة (يحفظه الله)، فكل ما يحصل ينعكس سلباً، وفيه مساعٍ خبيثه لضرب المشروع الثوري وصدقية سيد الثورة، الذي لايزال صمام الأمان لمشروع الثورة ومحل ثقة لدى الناس بإجماع منقطع النظير.
سلطة جبايات على استعداد أن تنتزع الريال من جيب المواطن حتى بالقوة، ولا تريد القيام بأي واجبات ولا تعترف لهُ بحق كفله الدستور والقانون والعرف القائم على مبدأ الحق في الوطن أرضاً وثروة ودولة للمواطن.
سلطة لا تحترم مواطنيها الذين ضحوا -وما يزالون حتى اليوم- عطاء بكل سخاء في كل ميادين المواجهة، فيما يتقاسم المناطقيون وذباب الإقطاع الجهوي والرأسمالي الوطن، متجاهلين الشعب الصابر والصامد في كل جبهات المواجهة، ومع ذلك يعتقدون أن قبضة السيطرة والقمع كفيلة بتجيير الإنجازات لحساباتهم الشخصية، ومن تكلم شله الباص و"بيت خاله"!
المشكلة مع الشعب ليست في أشخاص، بل مع عقلية شاغلي المناصب كوظائف انحرفت بوصلة أدائها بمختلف درجاتها، وإدارة الدولة بعقلية المتحصل للإيرادات المتنصل من القيام بأي واجبات، وتحويل كل ما يخدم المواطن إلى مفهوم تجاري، صحة وتعليم وكهرباء ومياه وأسعار السلع الاستهلاكية والتموينية، إهدار وإضاعة ما تبقى من بنى الدولة وبينتها التحتية... إلخ.
فلان وعلان من الناس يأتي من يقول: "هو مؤمن"، كان مؤمناً عندما كان في ساحات الجهاد والاستضعاف، واليوم تغير الوضع وأصبح صاحب نفوذ ويخاطب من لا يوافق هواه ويختلف معهُ قائلاً: "سأضيّعك"، نعم، ويقدر على ذلك، وهنا شكل من أشكال السقوط، وغير ذلك الكثير. المواطن والبلد لا يعنيه إيمانه من عدمه. نتحدث عما هو واضح من خلال ميدان العمل. أما الإيمان فهذا شيء سيُسأل عنه يوم الوقوف بين يدي الله، وكما ورد في القرآن الكريم "لِّيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ ۚ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا" (الأحزاب، 8).
تخيلوا مثلاً، في أول أيام عيد الفطر، مواطنة يمنية ذهبت إلى حديقة الثورة مع أولادها، وأثناء التجوال داخل حرم الحديقة تبتلعها فوهة تجميع أو تصريف مياه الأمطار، وتمر ثلاثة أيام ولم يتحرك ضمير أي مسؤول ضمن نطاق سلطات أمانة العاصمة! لو كان هذا الحادث في دولة أخرى لقامت الدولة ولم تقعد، ولنزل رئيس الدولة - حتى شكلياً، ولشكلت غرفة طوارئ... ولكننا في صنعاء، حيث الحكم لمن لا يبالون، ويأتي من يساوم قائلاً: سنعتمد لها راتب شهيد! الله الله! حادثة أقل ما يكون فيها محاكمة روؤس وإقالة أخرى وتعويض أهل الضحية وجبر خواطرهم وتعويض أضرارهم... لكن ماذا ننتظر ممن لا يستحون؟! وكما يقول المثل: "يا راقصة في الغدرا ما احد يقوللك ياسين".
تخيلوا، في مديرية شعوب، بعض محلات الجزارة خفضت سعر اللحوم ووصل سعر كيلو لحم العجل إلى 4000 ريال والغنمي 4500 ريال، علشان يقدر الناس على الشراء لأسرهم بدل الدجاج؛ لكن قبل العيد نزلت حملة من مكتب الصناعة والتجارة تهدد المحلات بالإغلاق وفرض غرامة على من يخفض الأسعار، وإلزامهم برفع السعر إلى 5500 و6000 ريال! سلطة تنصّب نفسها غريم في نحر المواطن!
الملايين التي احتشدت وتحتشد كل جمعة بزخم لا يعرف الكلل أو الملل لأكثر من ستة أشهر ولا تزال، هي ركيزة التصحيح الثوري، وشريك سيد الثورة والجيش في ملحمة المواجهة والصمود، ولذلك لا مجال للمحاصصات السابقة. التغيير الجذري هو الوفاء الذي ما تغير من سيد الثورة، كما قالها لشعبه الذي يبادله الولاء والوفاء على قاعدة صلبة ومعادلة واضحة ويتحقق بها قيام سلطة تتمكن من أن تكون رافعة حقيقية لسيد الثورة.
كل قضية يضج بها الشارع مشتكياً ماذا لو تحملت كل جهة مسؤوليتها؟! فوزارة الزراعة وهيئة المواصفات والمقاييس وضبط الجودة وكل مؤسسة في قطاعات الدولة ماذا سيخسرون لو أوجدوا حلولاً؟! لن يخسروا شيئاً! وما يحصل الآن أن الثورة هي التي تخسر جمهورها وركيزتها التي تنتصر بها.
إذا لم يكن التغيير الجذري حقيقياً يلمسه المجتمع ويُشكل واقعاً في جميع نواحي الحياة، خدمياً ومعيشياً واقتصادياً وتربوياً وصحياً وقضائياً واستقراراً وتنمية وسلطة تبني دولة للشعب، كما قال الشهيد الرئيس الصماد (رحمه الله)، فماذا تحقق؟! توارث لمتوالية الطبقات الرأسمالية والإقطاعية والجهوية بحزازات مناطقية والمراكمة عليها والدخول في حالة سكون تخيب آمال الثورة وانسلاخ للمشروع الثوري عن حاضنته الشعبية.
المرحلة بحاجة لحكومة تمتلك الرؤية لتحديد الأولويات التي يجب العمل عليها، وحل الإشكاليات في قطاعات الدولة المرتبطة بحياة المواطن، والإرادة لتجاوز التعثر في إدارة مؤسسات الدولة والرتابة الحاصلة، والوقوف عند القوانين من النظام السابق أنها سبب الفشل وغير ذلك، الوضع الراهن لا يحتاج لتعديل قوانين واستبدالها بلوائح يفصلها المسؤول على مقاسه وهواه. نحن بحاجة لحكومة مصغرة، رجال حقيقيين يقدرون على إدارة مؤسسات الدولة، يفهمون الإشكاليات والتحديات الراهنة، ويقدرون على التخطيط وتحديد المعالجات الواقعية والعمل على تنفيذها وإنجازها ميدانياً، وتوظيف كل ما هو متاح من مقدرات وموارد بشرف ونزاهة وإدارة وطنية مسؤولة في الاتجاه الصحيح، ومسؤول واحد قادر على إحداث ثورة نهوض وتغيير وتطور في كل مؤسسة يتولاها ويمثل مشروع الثورة كنموذج في ميدان العمل. ماذا تم من عاصفة "الرؤية الوطنية"؟! أبرقت وأرعدت ولم تمطر ولم تتمخض عن شيء.
التحديات منظورة وواضحة عسكرياً، وهذا الملف الوحيد المحسوم بإشراف مباشر من سيد الثورة (يحفظه الله) وكان عند مستوى التضحيات.
ليست التحديات في كيفية إسكات أصوات أبناء الشعب وتجريم وشيطنة ضمائر الناس وتخوينها. هناك تحديات داخلية تتعلق بإدارة الدولة وتحقيق العدالة والبناء وإنجاز كل ما يحقق رفع المعاناة عن الناس والنهوض بالإنسان.
جمهور الثورة ينتظر بصبر متعب لحظة تدشين تنفيذ إجراءات "طوفان التغيير الجذري" والإصلاح الإداري والمالي واجتثاث الفساد، فقد بلغت القلوب الحناجر في انتظار إطلالة سيد الثورة (يحفظه الله) مدشناً التغييرات "بسم الله مجراها ومرساها"، وليأووا إلى جبل، فلا عاصم لهم اليوم من أمر الله، فهم عمل غير صالح، وليسوا أهلاً للثورة.

أترك تعليقاً

التعليقات