إعـداد:علي عطروس

الجغرافيا الواحدة والخرائط الثلاث
ثمة خطأ منهجي يقع فيه كثير من التحليلات: افتراض أن الجميع ينظر إلى الخريطة نفسها. الحقيقة أن واشنطن و»تل أبيب» والرياض لا يرون الجغرافيا اليمنية ذاتها. كل عاصمة ترسم خريطتها الخاصة؛ ليس لأن الوقائع مختلفة، بل لأن ما يُدرج في الخريطة وما يُحذف منها يختلف بحسب المصلحة.
السؤال الجامع: إذا كانت الجغرافيا واحدة، فلماذا تختلف الخرائط؟ وما الذي يُدفع إلى هامش كل خريطة؟


خط زمني.. بوصلة القارئ
 تموز/ يوليو 2026: العدوان على مطار صنعاء - بداية الحرب الراهنة.
 آب/ أغسطس 2026 اتفاق مكة (السعودية، تركيا، باكستان).
 أيلول/ سبتمبر 2026 تصاعد المعارك على الساحل الغربي.
 1-4 تشرين الأول/ أكتوبر إطلاق ما تسمى بعملية «فجر اليمن».
 5 - 6 تشرين الأول/ أكتوبر إعلانات استعادة باب المندب.
 8-9 تشرين الأول/ أكتوبر ضربات على مطار الرياض.
 11-12 تشرين الأول/ أكتوبر انسحاب الشركات من مؤتمر الطاقة - ضربات جديدة.


الخريطة الأولى: واشنطن - خريطة «الممر»
 ما يُدرج في الخريطة:
- باب المندب كنقطة عبور للسفن التجارية.
- حرية الملاحة كقيمة عليا.
- منصات الإطلاق كأهداف مشروعة.
- إيران كفاعل خلفي يهدد النظام البحري.

 ما يُحذف من الخريطة:
- اليمنيون بوصفهم أصحاب حق في السيادة.
- الحصار كسبب للعمليات.
- حدود القوة الجوية في تحقيق أهداف سياسية.
- البديل الدبلوماسي كخيار أول.

 النتيجة التي تنتجها هذه الخريطة:
«الردع يفشل لأن الضربات لم تكن كافية». هذا استنتاج لا يمكن أن يصل إلى نتيجة أخرى؛ لأن الخريطة لا تحتوي على المدخلات التي تسمح بذلك. فإذا كانت المشكلة «تهديداً بحرياً»، فالحل بالضرورة «عسكري». وإذا لم ينجح، فالسبب «قصور في التنفيذ»، لا «خطأ في التشخيص».

 اختبار الخريطة من داخل مصادرها:
المفارقة أن المؤسسات الأمريكية نفسها بدأت تخرج عن هذه الخريطة:
- معهد واشنطن (7 تشرين الأول/ أكتوبر) يقر بأن صنعاء بنت «اكتفاءً ذاتياً» يجعل القصف الجوي «بلا جدوى استراتيجية».
- «واشنطن بوست» (6 تشرين الأول/ أكتوبر) تكشف صداماً في البنتاغون بين من يريد التصعيد ومن يحذر من نفاد الذخائر.
- «بوليتيكو» (8 تشرين الأول/ أكتوبر) يقر بأن ترامب يخشى «مستنقع استنزاف» قبل الانتخابات.

- النتيجة: الخريطة الأمريكية لم تعد مقنعة حتى لصانعيها؛ لكنها تظل الخريطة الرسمية، لأن التخلي عنها يعني الاعتراف بأن المشكلة لم تكن حرية الملاحة أصلاً.




الخريطة الثانية: «تل أبيب»- خريطة «الحلقة»
 ما يُدرج في الخريطة:
-  «إيلات» كنقطة نهاية لشريان تجاري.
- الحوثيون كامتداد جغرافي لإيران.
- البحر الأحمر كساحة مواجهة مستقبلية.
- الدول العربية كشركاء محتملين في مواجهة «خطر مشترك».
 ما يُحذف من الخريطة:
- المسافة الجغرافية بين اليمن والكيان «الإسرائيلي» كعامل حماية.
- حدود التحالفات المعلنة بين التوصية والتنفيذ.
- كلفة استدراج دول عربية إلى تحالف غير معلن.
 النتيجة التي تنتجها هذه الخريطة:
«التهديد اليمني أخطر من سيناريو هرمز». هذا استنتاج يعكس حقيقة استراتيجية: «إيلات» قد يُعطل مجدداً، والملاحة المرتبطة بـ»إسرائيل» قد تعود تحت التهديد من جديد. لكنه أيضاً استنتاج يخدم مصلحة «إسرائيلية» في تصوير التهديد أكبر من حجمه لإقناع دول عربية بالانضمام إلى ترتيبات أمنية.

 اختبار الخريطة من داخل مصادرها:
- «جيروزاليم بوست» (4 تشرين الأول/ أكتوبر): «مكاسب الحوثيين في باب المندب تفضح أزمة الشحن غير المحلولة في إيلات».
- «هآرتس» (11 أكتوبر): «استعادة نقطة ساحلية لا تلغي القدرة الصاروخية لصنعاء».
(INSS) يقترح-  البحث عن موطئ قدم في «أرض الصومال»، وهذا اقتراح يكشف العجز أكثر مما يكشف القدرة.
- النتيجة: الخريطة «الإسرائيلية» دقيقة في وصف التهديد، لكنها غير قادرة على تقديم حل؛ فهي تصف الجرح بدقة، لكنها لا تملك دواءه. وهذا ما يجعلها خريطة للتعبئة أكثر منها للعمل.


ما الذي يختفي من الخرائط الثلاث؟
هذه الخرائط الثلاث، على اختلافها، تشترك في شيء واحد: اليمني غائب عنها جميعاً.
- واشنطن ترى ممراً، لا شعباً.
- «تل أبيب» ترى تهديداً، لا ضحايا.
- الرياض ترى عمقاً، لا مجتمعاً.
اليمن في هذه الخرائط ليس دولة ذات سيادة، بل متغير تكتيكي في معادلات القوة. وهذا الغياب ليس حادثاً عابراً؛ إنه شرط بنيوي لاستمرار هذه الخرائط. فإذا حضر الإنسان اليمني، سقطت الخريطة تلقائياً.


الخريطة الثالثة: الرياض - خريطة «العمق»
 ما يُدرج في الخريطة:
- مطار الملك خالد كرمز للسيادة والاستقرار.
- منشآت أرامكو كعصب الاقتصاد.
- اليمن كتهديد مباشر للحدود والعمق.
- التحالفات الإقليمية (حلف مكة) كأداة لموازنة التهديد.

 ما يُحذف من الخريطة:
- كلفة الحرب على صورة المملكة كوجهة استثمارية.
- حدود تحمل الحلفاء (تركيا، باكستان) للتورط.
- البديل السياسي كخيار قابل للتفاوض.

 النتيجة التي تنتجها هذه الخريطة:
«يجب استعادة زمام المبادرة». لكن هذه الخريطة تواجه مفارقة: كلما اتسع نطاق العمليات العسكرية، اتسع نطاق التهديد على العمق. فضرب مطار الرياض لم يكن نتيجة ضعف الدفاعات الجوية فقط، بل نتيجة حتمية لخريطة لا تتسع لسيناريو «الحصار بالحصار».

 اختبار الخريطة من داخل مصادرها:
- «وول ستريت جورنال» (8 تشرين الأول/ أكتوبر): «مطار الملك خالد تحول إلى هدف يومي».
- «فايننشال تايمز» (12 تشرين الأول/ أكتوبر): انسحاب رؤساء شركات الطاقة من مؤتمر الرياض.
- «إيكونوميست»: «مأزق ابن سلمان بلا نصر».

- النتيجة: الخريطة السعودية لا تجيب على سؤال: ماذا بعد القصف؟ فإذا كانت الحرب تهدف إلى «تأمين العمق»، فإن استهداف العمق هو بالضبط ما لم تستطع الخريطة منعه.



من الخرائط الثلاث إلى المقاييس السبعة
ثلاث خرائط سيادة رسمناها بمقياس مكبر.. لكن الخريطة الواحدة تُرسم بمقاييس مختلفة. فإذا ابتعدنا قليلاً، نرى أن العواصم لا ترسم خرائط للسيطرة فقط، بل خرائط للفاتورة أيضاً.
باريس وبرلين ومدريد وروما تراقب التجارة؛ أنقرة وإسلام آباد تحسبان كلفة الالتزام؛ بكين ونيودلهي تخشيان الاختناق المزدوج؛ وموسكو تبحث عن موقع؛ ودول القرن الأفريقي تدفع الثمن. هذه ليست خرائط سيادة، بل مقاييس رسم ترى اليمن من زوايا مختلفة.
الخرائط الثلاث كانت عدسة مكبرة على الفاعلين الأكثر تأثيراً. المقاييس السبعة هي الصورة الواسعة لكل الفضاءات. وهنا ننتقل من التفصيل إلى المسح الشامل.


الخريطة الرابعة: (اليمن) الذي لا يريدون رؤيته
ثمة خريطة رابعة لا تظهر في واشنطن ولا «تل أبيب» ولا الرياض. هذه الخريطة لا ترسم الممرات ولا المنشآت ولا التحالفات. إنها ترسم القدرة على الإيذاء المتبادل، وكلفة استمرار الحرب، وحدود القوة العسكرية في تغيير سلوك الخصم.
هذه الخريطة تقول إن مطار الرياض ومطار صنعاء في المعادلة نفسها، وأن ميناء «إيلات» وميناء الحديدة في المعادلة نفسها، وأن انسحاب شركة نفط من مؤتمر لا يعني انهيار اقتصاد، لكنه يعني أن الثقة -وهي أساس الاستقرار- باتت تحت النار.
لا واحدة من الخرائط الثلاث قادرة على رسم هذه الخريطة الرابعة، لأنها جميعاً ترى اليمن كمتغير، لا كفاعل. والخريطة الوحيدة التي ترى اليمن فاعلاً هي التي يرفضون الاعتراف بها.

 ما ترسمه هذه الخريطة:
- الحصار كسبب أول للعمليات.
- السيادة كحق غير قابل للتفاوض.
- الردع كوسيلة دفاع، لا كتهديد.
- العمق كساحة معادلة، لا كساحة عدوان.

 ما تحذفه هذه الخريطة:
- الابتزاز الإنساني: أرقام النزوح التي تُستحضر فقط للضغط السياسي.
- الدعاية الغربية: «إعادة ضبط قواعد الاشتباك» التي تصف العدوان.
- الوكلاء: «القوات الوهمية» التي تظهر على الورق فقط.

 النتيجة التي تنتجها:
«اليمن ليس متغيراً في معادلات القوة. اليمن فاعل يصنع المعادلة».

 كيف ترى صنعاء الخرائط الثلاث؟
- خريطة واشنطن: تراها خريطة عدوان مموه بأمن الملاحة.
- خريطة «تل أبيب»: تراها خريطة تهديد مموه بالخطر المشترك.
- خريطة الرياض: تراها خريطة عمق مموه بالدفاع المشروع.




الخاتمة: اليمن لليمنيين
تثبت هذه القراءة التفكيكية الشاملة أن العالم لا يرى اليمن كما هو، بل كما يحتاج إليه لخدمة مصالحه وأسواقه:
1. سقوط أوهام الحسم: أثبتت الوقائع الميدانية فشل القوة الجوية الأمريكية والبريطانية والسعودية في كسر إرادة صنعاء أو استعادة المبادرة العسكرية.
2. ثبات معادلة الردع: انتقلت المعركة إلى عمق العدو؛ فمطار الرياض تحت النار، وموانئ ينبُع ورابغ معطلة، وإيقاف كل ذلك مرهون بوقف العدوان ورفع الحصار.
3. تفكك التحالفات: عجزت الرياض عن تحويل «اتفاق مكة» إلى مغامرة عسكرية جديدة، بعد الرفض التركي والباكستاني الصريح للمشاركة الهجومية، فيما ينعى الغرب مرتزقته المحليين بوصفهم «وكلاء وهميين» عاجزين عن الثبات.
4. الأفق السياسي مسدود أمام العدوان: لا خروج عسكري - والخروج الدبلوماسي يتطلب تنازلات.
فالسيطرة على موقع ليست سيطرة على المضيق كله. وتدمير هدف لا يثبت بالضرورة تراجع القدرة على تنفيذ هجمات لاحقة. وتفعيل اتفاق دفاعي لا يعني تلقائياً مشاركة في حرب برية. وانسحاب بعض التنفيذيين من مؤتمر لا يساوي انهيار اقتصاد. كما أن استمرار المؤتمر لا ينفي الضرر الذي لحقته المخاطر الأمنية بسعة المكان.
وفي نهاية المطاف، لا يثبت التاريخ من امتلك العبارة الأكثر صخباً، ولا من أعلن السيطرة قبل الآخرين. يثبت ما بقي من السيطرة بعد انقضاء موجة الأخبار، وما إذا كانت الملاحة قد استقرت، وما إذا كان التصعيد قد انحسر، وما إذا اقترب اليمن من تسوية تنهي الحرب أم دخل دورة جديدة منها.
نقل الادعاء ليس تحققاً منه. وتعدد الناقلين لا يحوّل المصدر الواحد إلى مصادر مستقلة. لا نعدّ الوسائل. نعدّ مصادر المعلومات المستقلة.
وفي اليمن، حيث تسبق الشاشة أحياناً الرصاصة، قد لا يكون السؤال الأهم من يكتب الرواية أولاً، بل من يملك الدليل الذي يبقيها واقفة بعد أن ينطفئ العنوان العاجل.




كيف تُرسم الخريطة الواحدة بسبعة مقاييس؟
في اليمن، 
لا تنتظر الروايةُ اكتمالَ المعركة كي تبدأ.
تتقدم قوة عسكرية في الساحل، فتعلن استعادة موقع. يتراجع خصمها من موقع آخر، فيعلن انسحاباً تكتيكياً. تُرفع راية فوق جزيرة، فيُرفع معها سقف الادعاء بالسيطرة على مضيق كامل. وتتحول الخريطة، في أقل من دورة إخبارية، من وثيقة جغرافية إلى بيان انتصار، ثم إلى مادة خلاف بين غرف الأخبار ومراكز الأبحاث.
هكذا لم يعد باب المندب مجرد ممر بحري يصل البحر الأحمر بخليج عدن، ولا مجرد نقطة على خريطة اليمن. صار سؤالاً دولياً مفتوحاً: من يملك حق المرور؟ من يملك القدرة على تعطيله؟ ومن يملك سلطة إعلان أن التهديد انتهى؟
كيف ترى القوى الدولية اليمن؟ وكيف تصوغ مصالحها في صورة روايات إعلامية؟ وما الذي يُدفع إلى الهامش؟ لكنها سبع عدسات تحليلية مقترحة، وليست سبعة مواقف موحدة. فداخل كل فضاء إعلامي خلافات بين الصحفيين والباحثين والحكومات. كما أن الخبر والتحليل والافتتاحية لا تحمل الدرجة نفسها من الدلالة.
ومقياس الرسم ليس مجرد زاوية نظر. إنه أداة قياس. كل عاصمة تقيس اليمن بمقياس مختلف، وتنتج رقماً مختلفاً، وتصل إلى نتيجة مختلفة. هذه هي المقاييس السبعة:

 المقياس الأول / واشنطن ولندن: مقياس الممر
 ما يقيسه: عدد السفن، حرية الملاحة، أمن الممرات.
 الرقم الذي ينتجه: «كم سفينة تعبر؟ كم هجوماً وقع؟ كم غارة نُفذت؟»
 النتيجة: «الردع يفشل لأن الضربات لم تكن كافية».
 المصدر: The Guardian، Washington Institute، NYT، Washington Post، Politico، Chatham House.
 المقياس الثاني - «تل أبيب»: مقياس الحلقة:
- ما يقيسه: المسافة، مدى الصواريخ، حالة «إيلات».
- الرقم الذي ينتجه: «كم كيلومتراً تفصلنا؟ كم سفينة وصلت؟ كم يوماً تعطل الميناء؟»
- النتيجة: «التهديد أخطر من سيناريو هرمز».
- المصدر: Jerusalem Post، Haaretz، INSS، Channel -.

 المقياس الثالث - العواصم الأوروبية: مقياس الفاتورة
- ما يقيسه: كلفة الشحن، التأمين، دوران السفن حول رأس الرجاء الصالح.
- الرقم الذي ينتجه: «كم ارتفعت الكلفة؟ كم انخفضت حركة قناة السويس»؟
- النتيجة: «حماية التجارة لا تتحقق بالحرب».
- المصدر: Le Grand Continent، El País، Orient XXI، Le Point، Le Monde، Tagesschau، Guido Crosetto.

 المقياس الرابع - الرياض: مقياس العمق
- ما يقيسه: المسافة من الحدود، حالة المطارات، أمن المنشآت.
- الرقم الذي ينتجه: «كم صاروخاً وصل؟ كم قتيلاً سقط؟ كم رحلة أُلغيت؟».
- النتيجة: «يجب استعادة زمام المبادرة».
- المصدر: WSJ، The Economist، Financial Times، F. Gregory Gause III.

 المقياس الخامس - أنقرة وإسلام آباد: مقياس الالتزام
- ما يقيسه: كلفة الدخول، كلفة الامتناع، حدود الاتفاق.
- الرقم الذي ينتجه: «كم جندياً؟ كم معدات؟ ما نوع الدعم؟».
- النتيجة: «الدفاع عن السعودية لا يعني الحرب في اليمن».
- المصدر: The Friday Times، وزارة الإعلام الباكستانية، Reuters، Indian Express.
 المقياس السادس - بكين ونيودلهي: مقياس الإمداد
- ما يقيسه: سلاسل الإمداد، أسعار الطاقة، كلفة التأمين.
- الرقم الذي ينتجه: «كم برميلاً؟ كم نسبة التجارة؟ كم ارتفع برنت؟».
- النتيجة: «الاختناق المزدوج يهدد الاقتصاد».
- المصدر: The Week، ORF، Bol News، Fu Cong.

 المقياس السابع - موسكو والقرن الأفريقي: مقياس الجوار
- ما يقيسه: المسافة من الجبهة، أمن الموانئ، حركة الهجرة.
- الرقم الذي ينتجه: «كم نازحاً؟ كم سفينة صيد؟ كم كيلومتراً من الساحل؟».
- النتيجة: «الجوار يدفع الثمن دون أن يُسمع صوته».
- المصدر: African Center for Strategic Studies، Alexander Alimov، Svobodnaya Pressa، TASS.