On/Off
علي عطروس
إنهم يملكون الأقمار الاصطناعية، وخوادم الحوسبة السحابية، واستوديوهات البترودولار، وجيوش الذباب الإلكتروني... ونحن نملك الأرض، والحقيقة، واليقين الذي لا يُشترى بصفقات الاستثمار. قد تشرق شمس كرتونية على شاشاتهم لساعات؛ لكن فجر اليمن الحقيقي يسطع دوماً من فوهات بنادق الثابتين في بطون الأودية وشماريخ الجبال. وحين يسكت ضجيج الشاشات، يبقى الميدان وحده سيد الرواية وصانع التاريخ!



التأصيل النظري.. نظرية السرديات الاستراتيجية (Strategic Narratives)
وفق نموذج ميسكيمون وآخرين (Miskimmon et al.) لا تُعد السردية مجرد نقل صحفي، بل منظومة معرفية متكاملة لصناعة الواقع وتأطيره لفرض الإكراه الناعم (Soft Coercion) عبر ثلاثة مستويات:
1. سرديات الهوية (Identity Narratives): تشكيل تصورات «الذات والآخر» لتجريد الخصم من إنسانيته ومشروعيته، ومنح المعتدي تفوقاً أخلاقياً زائفاً.
2. سرديات القضايا (Issue Narratives): إعادة تأطير مواجهات ميدانية محددة لتضخيم مكاسب وهمية وطمس الخسائر المادية.
3. سرديات النظام (System Narratives): رسم القواعد الكلية لإدارة الإقليم واحتكار جهود الوساطة لتحديد ما هو مقبول ومرفوض دولياً.
وتستهدف هذه الحرب الإدراكية شل «حلقة اتخاذ القرار» الميداني المعروفة بـ«حلقة أوودا» (OODA Loop: الملاحظة، التوجيه، القرار، الفعل)؛ وذلك بإغراق القيادة العسكرية والجمهور بفيض متسارع من الأخبار المفبركة لإحداث الصدمة والترويع وعزل المقاتل عن واقعه.



لغز شطيرة الحقيقة (Truth Sandwich) وتفكيك أسطورة النصر العسكري السريع
اعتمد إعلام العدوان تكتيك «شطيرة الحقيقة» عبر وضع شريحة صغيرة من حقيقة مجردة، تليها حشوة ضخمة من الأكاذيب والادعاءات الميدانية، ثم ختمها ببيان رسمي مفبرك. والهدف ليس إقناع الجمهور بالحقيقة، بل شل قدرته على التمييز، وإغراقه في «التسييج المعرفي» حتى لا يبحث عن الحقيقة الميدانية.
وتتقاطع هذه الخدعة مع دراسة نشرتها مجلة (Foreign Affairs) للباحثين ستيفن بيدل وسام وينتر-ليفي ويوري جوكوف، بعنوان «أسطورة النصر العسكري»، والتي تثبت تاريخياً أن الحروب منذ العام 1815 لا تنتهي بتدمير قدرة الخصم، بل إن الطرف المهزوم خسر في المتوسط 8٪ فقط من قواته قبل التوقف (وكان الاستثناء الوحيد قرطاج عام 146 ق.م)، وأن وهم «النصر السريع» قاد واشنطن للهزيمة في فيتنام وأفغانستان والعراق، ويقود الرياض اليوم إلى المستنقع ذاته في اليمن.



هوامــــــش السخريــــــة الميدانيــــــــة
السيطرة الافتراضية: علّق ناشطون بتهكم: «صدقت «الجزيرة» و«العربية»؛ تمت السيطرة على باب المندب بالكامل، ولكن من عدة جبهات: فيسبوك، تويتر، سناب شات، وتيك توك!».
ليس لدينا فيسبوك: وثّق الكاتب المصري سامح عسكر مفارقة طريفة قائلاً إنه راجع مقاطع مقاتلي صنعاء عبر أدوات الذكاء الاصطناعي فأكدت أنها حديثة وأصلية وغير منشورة سابقاً، ساخراً من أن إعلام التحالف قوي جداً في أول ثلاث ساعات، بينما رجال الميدان في صنعاء لا يتابعون السوشيال ميديا، بل يكتبون الحقائق على الأرض.
تبخر العواجل: فور انتهاء البث المسرحي، اختفت العواجل الإخبارية فجأة؛ لتثبت الحقيقة أن الشاشة قد تصنع شمساً كرتونية لساعات، لكنها تعجز عن إنهاء ظلام الهزيمة على الأرض.


فضيحة «هانوفر»: حقن الروبوتات واختطاف الإجابات
كشف تحقيق لموقع (Politico) الأمريكي عن فضيحة كبرى بطلها تحالف ماكينات الدعاية الصهيونية ومكاتب العلاقات العامة الغربية:
ميزانية الجبهة الثامنة: تخصيص 730 مليون دولار لصالح ما تسمى «الجبهة الثامنة» الدعائية.
الواجهة الوهمية (Astroturfing): استعانت شبكة العلاقات العامة الفرنسية (Havas Media) —التي تُدير القسم الأكبر من أنشطة التأثير الخارجية المسجلة رسمياً في الولايات المتحدة- بوكالة الإعلانات (Bureau) لإنشاء موقع مموه تحت اسم «معهد هانوفر للسياسات العامة» (Hanover Institute for Public Policy) لإظهاره كمركز أبحاث فكري مستقل.
تمويل المقالات الموجهة: أفصحت وكالة (Bureau) في وثائقها الفيدرالية عن تنفيذ حملة تضمنت إعداد ونشر أكثر من 12 مادة ودراسة موجهة على موقع المعهد تحت لافتة «تثقيف وتنوير الجمهور الأمريكي».
حقن محركات البحث ونماذج الذكاء الاصطناعي (Prompt Injection): صُممت مقالات «معهد هانوفر» هندسياً على شكل أسئلة وأجوبة محددة بغرض التقاطها خوارزمياً بواسطة محركات البحث وروبوتات الذكاء الاصطناعي التوليدي، مثل (ChatGPT) و(Perplexity)، واستخدامها كمصادر «محايدة وموثوقة».
اختبارات التطابق: أثبتت الاختبارات المستقلة التي أجراها موقع (Politico) أن منصتي (ChatGPT) و(Perplexity) استشهدتا بالفعل بمواد «معهد هانوفر» الوهمي عند الإجابة عن أسئلة سياسية وعسكرية معقدة.
هندسة الظهور الخوارزمي: كشفت المؤشرات التقنية أن المعهد استعان بخدمات شركة ناشئة في سياتل تُدعى «ريز» (Reas)، وهي شركة متخصصة في مساعدة عملائها على ضمان الظهور التلقائي ضمن توصيات وإجابات نماذج الذكاء الاصطناعي.
كارتيل الجبهة الثامنة -عقود بارسكال: تعاقدت شبكة (Havas) مع مدير حملة ترامب الرقمية السابق، براد بارسكال، عبر شركته (Clocktower X) بعقد بلغت قيمته 46.5 مليون دولار بهدف إنشاء مواقع ونشر مضامين مصممة خصيصاً لتشكيل الأطر التي تقدمها نماذج (GPT) للمستخدمين. ورُصدت مبالغ بملايين الدولارات لتمويل شبكات من المؤثرين، واستضافة مئات الشخصيات السياسية والأكاديمية والصحافية الأجنبية في واشنطن والمنطقة لتمرير الروايات المجهزة سلفاً.



كيف تُسمَّم البيانات؟ خطوات عملية
1. ما هي الخوارزمية المستهدفة؟
نماذج اللغة الكبيرة (ChatGPT, Claude, Perplexity) + محركات البحث.
2. ما البيانات التي تُلوَّث؟
 التمويه المضاد للخوارزميات (Counter-Algorithmic Camouflage): توليد شواخص بصرية مضللة (Shallowfakes) تجعل تحديد الهدف أصعب.
 توليد التغذيات المضللة: بث بيانات من مصادر متعددة . بحيث يصعب على الخوارزمية التمييز بين الصحيح والمزيف.
 استهداف أوقات الذروة: تكثيف البيانات المضللة في لحظات القرار الحساسة . لإبطاء دورة القرار أو تعطيلها.
3. كيف؟
 التمويه البصري: تعديل المظهر الحراري أو البصري لمنشأة بطريقة تُربك نماذج التعرف.
 تلويث المصادر المفتوحة: إغراق المنصات بصور فضائية معدّلة وتقارير مضللة.
 التلاعب بأنماط البيانات: إكساب النظام سلوكاً مقصوداً لتوليد بيانات تدريب مضللة تتراكم تدريجياً.
4. النتيجة:
خوارزمية تعمل بثقة عالية على بيانات فاسدة؛ وبنك أهداف يعطي أولويات مضللة؛ وقرارات عملياتية تخفق - دون أن يعرف أحد لماذا.
هذا ليس ردعاً تقنياً. هذا ردع معرفي.



عسكرة السحاب: كواليس «بالانتير» ونادي لانغلي السري
تتقاطع التقنية التوليدية مباشرة مع المنظومة الأمنية الأمريكية:
نموذج (Claude Gov): كشفت التحقيقات الصحفية عن استخدام البنتاغون للنسخة الحكومية من نموذج شركة أنثروبيك (Claude Gov) عبر منصة (Palantir) الاستخباراتية التابعة للملياردير بيتر ثيل.
نادي دايالوغ قرب مقر الـ(CIA): شراء بيتر ثيل لأرض وبناء مقر دائم لنادي «دايالوغ» السري في لانغلي بولاية فرجينيا بجوار مقر وكالة المخابرات المركزية (CIA) للربط بين أقطاب وادي السيليكون وجنرالات الحرب.
أتمتة القتل: توظيف الذكاء الاصطناعي لاقتراح بنوك الأهداف وإدارة المعارك الافتراضية، ومحاكاة عمليات الاغتيال بسرعة تتجاوز 1,000 قرار استهداف في الساعة؛ ما يُلغي هامش التدقيق البشري ويجعل الخطأ الخوارزمي حكماً بالإعدام.



«عقل الآلة».. من غرفة الأخبار إلى غرفة الخوادم
عندما تسقط الرواية التقليدية في الميدان وتكشف الجغرافيا عورة الفبركة الإعلامية، تنتقل المعركة من غرف المونتاج إلى خوادم «وادي السيليكون». فلم تعد الحرب الحديثة تقتصر على عسكرة السماء والبحار، بل امتدت لتشمل عسكرة الإدراك وتوجيه خوارزميات الذكاء الاصطناعي لإعادة صياغة المفاهيم الوطنية. إن محاولة تسييج العقل العربي اليوم تجري عبر «تسميم البيانات»، حيث تُغذى نماذج اللغة الكبيرة بمدخلات موجهة لحجب الحقائق وطمس إرادة الشعوب الحرة. لكن كما سقطت دباباتهم ومدرعاتهم في رمال الساحل، فإن خوارزمياتهم ستتحطم أمام صلابة المقاتل اليمني؛ فالسيادة الوطنية تُنتزع من الميدان ولا تُستجدى من شاشات الآخرين.



كيف اشترت أموال البترودولار والدعاية شاشات الغرب؟
لا تبدأ صياغة الخبر الدولي في مكاتب المراسلين الميدانيين، بل في مكاتب المحاماة وشركات العلاقات العامة الدولية المسجلة بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب الأمريكي (FARA) في وزارة العدل الأمريكية. تكشف وثائق هذا القانون الفيدرالي -المصمم قانونياً لمراقبة أنشطة اللوبيات والتأثير المالي الأجنبي داخل الولايات المتحدة- عن تحالف عضوي غير معلن بين البترودولار الخليجي وماكينات الدعاية الصهيونية والغربية، لتوجيه وتطويق التغطيات الإعلامية في واشنطن والعواصم الغربية.
فحين يعجز التحالف عن تثبيت موطئ قدم على سواحل تهامة أو حماية قطعه الحربية في مضيق باب المندب، يتحول الإنفاق المالي مباشرة إلى واجهات ضغط وعلاقات عامة تشتري المساحات، وتزرع التحليلات، وتفرض لغة تحريرية مسبقة الصنع تُصوّر العمليات السيادية اليمنية الداعمة لغزة على أنها «تهديد للتجارة والملاحة الدولية»، مع إسقاط سياق العدوان والحصار كلياً.



قاموس التبييض: دراسة آدم جونسون تكشف انحياز الإعلام الأمريكي
أجرى الباحث الإعلامي الأمريكي آدم جونسون دراسة إحصائية فحص خلالها أكثر من 12,000 مقال صحفي، في صحف (The New York Times), The) Washington Post)، Politico و(Associated Press) ونحو 5,000 فقرة تلفزيونية عبر شبكتي (CNN) و(MSNBC)، كاشفاً الانحياز البنيوي الممنهج:
تغليظ المفردات للمعتدي وتجهيلها للضحية: استُخدمت كلمة «مذبحة» (Massacre) نحو 344 مرة لوصف قتلى الغزاة والمعتدين، مقابل صفر مرة لضحايا العرب واليمنيين والفلسطينيين.
نزع الإنسانية: استُخدمت كلمة «همجي» (Barbaric) نحو 14 مرة ضد الخصوم والمقاومين، مقابل صفر مرة للضحايا.
تفاوت التعاطف والتغطية: حظي 262 طفلاً أوكرانياً بمعدل 16.1 إشارة تلفزيونية لكل طفل، بينما لم يحظَ أطفال غزة واليمن إلا بـ0.36 إشارة لكل 10,000 طفل، وغالباً كأرقام مجردة بلا أسماء أو وجوه.
لغة المبني للمجهول: صياغة الجرائم والغارات ضد المدنيين بصيغة المبني للمجهول (مثل: «قُتل»، «أصيبت المنشأة»)، لتجريد المعتدي من مسؤوليته الجنائية، في حين تُسند الأفعال العنيفة فوراً إلى القوات الوطنية المدافعة عن سيادتها.



الانفصام الإدراكي ومظاهر الذعر في الرياض
تعليمات المدارس والملاجئ: أصدرت مدارس دولية في الرياض تعليمات لأولياء الأمور بنقل الطلاب إلى طوابق تحت الأرض، لحمايتهم من دوي الانفجارات المتكررة.
العمل من المنازل في المركز المالي: طلبت شركات متعددة الجنسيات تتخذ من مركز الملك عبدالله المالي بالرياض مقراً لها، من موظفيها العمل من المنازل، وبدأت بعض الشركات إجراءات إجلاء موظفيها.
قيود البعثة الدبلوماسية الأمريكية: فرضت السفارة الأمريكية قيوداً صارمة على استخدام موظفي الحكومة الأمريكية لمطار الملك خالد، مشترطة الحصول على تصاريح خاصة، وحظرت الاقتراب مسافة تقل عن 20 ميلاً من الحدود اليمنية ومدن نجران وجيزان وعسير.
الانفصام الإدراكي الخليجي: عاش المجتمع الخليجي حالة حادة من الانفصام؛ إذ يحاول الإعلام الرسمي التقليل من شأن الرد اليمني ووصفه بالاعتداءات المعزولة، في حين تلغي شركات الطيران الدولية رحلاتها، وتتعطل حركة الأسواق والمطارات، وتتصاعد أعمدة الدخان من مصافي الطاقة أمام أعين السكان.


عزيزي المحترم.. ثم أما بعد:
1. راقب. كلما وصلتك رسالة تقول «انتصار سعودي»، ابحث عن إحداثيات؛ ابحث عن فيديو مصوّر في الموقع نفسه؛ ابحث عن مصدر مستقل. إن لم تجد فالرسالة دعاية.
2. وثّق. احتفظ بهذا العدد. كلما ضللت في معركة السردية عُد إليه؛ إلى الحقيقة، الأدوات، الفهم، والفعل.
3. شارك. لا تُبقِ هذا العدد عندك. أرسله لمن تريد؛ لأن السردية الحقيقية لا تنتشر بالمال، بل بالكلمة التي تُنقل.
«من يملك القصة يملك الأرض. فلا تسلّم قصتك».