ملحق «لا» 21 السياسي - العدد (1937)
- تم النشر بواسطة «لا» 21 السياسي
خطاب الخميس وفصل الجمعة..مكة في قلب الأنصار.. والسعودية في قفص الاتهام
لم تأتِ كلمة السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي، مساء الخميس 18 أيلول/ سبتمبر 2026 كبيان ردٍّ عابر على اتهام سعودي، بل بدت أقرب إلى إعادة رسم لخريطة الصراع من صنعاء: من اتهام اليمن باستهداف مكة إلى اتهام الرياض بتوظيف مكة سياسياً؛ ومن الحديث عن «أمن المقدسات» إلى السؤال عن الجهة التي تهدد تلك المقدسات فعلياً؛ ومن البحر والملاحة والحصار إلى أصل المعركة وحدودها وأدواتها.
وفي قلب الخطاب، وضع السيد عبدالملك قضية واحدة بوصفها المفتاح السياسي لما تلاها: اتهام السعودية للقوات اليمنية باستهداف مكة المكرمة.
«استهداف مكة»..
من اتهام عسكري إلى معركة سياسية
اختار الخطاب التعامل مع الاتهام السعودي بوصفه أكثر من مجرد رواية عسكرية؛ فقد وصفه بأنه «بهتان عظيم» و«كذبة كبرى»، واعتبر توظيف اسم مكة في الصراع محاولة لحشد مواقف عربية وإسلامية ضد اليمن. الفكرة المركزية هنا: إذا كانت مكة هي العنوان فإن صنعاء تريد نقل النقاش من سؤال: من استهدف مكة؟ إلى سؤال آخر: من يستخدم مكة لتبرير الحرب؟
ويرى الخطاب أن الاتهام يستهدف استثارة العاطفة الدينية لدى المسلمين، وإنتاج غطاء سياسي وأخلاقي للتصعيد السعودي، إضافة إلى استدعاء أطراف أخرى إلى دائرة المواجهة. وهنا يصبح اسم مكة في القراءة التي قدمها الخطاب جزءاً من أدوات الحرب السياسية والإعلامية، لا مجرد المقدس المركزي «المسعود» جغرافيا عسكرية.
«نحن أحرص على مكة».. قلب المعادلة
في مقابل الرواية السعودية الملفقة، قدّم الخطاب رواية صنعاء: اليمن -بحسب ما طرحه السيد عبدالملك- لا يرى نفسه خصماً للمقدسات، بل يضع حماية مكة والمدينة والمسجد الأقصى وسائر المقدسات أولى أولوياته ومركز دائرة اهتمامه وقلب مواقفه. وهنا يعمل الخطاب على قلب الصورة السياسية بالكامل:
السعودية تقول: اليمن يهدد المقدسات؛ والخطاب يقول: الخطر الحقيقي على المقدسات يأتي من المشروع الصهيوني، أما توجيه العداء نحو اليمن فهو تحويل لبوصلة الصراع. وهذه ليست جملة عاطفية في بنية الخطاب، بل مدخل لإعادة تعريف «العدو» و«الأولوية».
من مكة إلى القدس.. من هو الخطر الحقيقي؟
انتقل الخطاب سريعاً من مكة إلى فلسطين. فالرسالة التي أراد إيصالها هي: إذا كان الدفاع عن المقدسات هو المعيار، فلماذا لا يكون المسجد الأقصى هو نقطة الاختبار؟
ومن هنا، وجّه السيد عبدالملك خطابه إلى الأنظمة العربية والإسلامية التي أدانت اليمن، متسائلاً عمّا تقدمه عملياً للشعب الفلسطيني والمسجد الأقصى في مواجهة كيان العدو الصهيوني. ووضع الخطاب المشروع الصهيوني في موقع الخطر الاستراتيجي على المقدسات الإسلامية، وربط بين فلسطين ومكة والمدينة باعتبارها قضايا لا ينبغي فصلها في الحساب السياسي لصنعاء.
«تعالوا إلى الميدان».. تحويل البيانات إلى اختبار
أحد أكثر المفاصل السياسية وضوحاً في الخطاب هو الانتقال من لغة البيانات والإدانات إلى لغة الفعل.
فالخطاب يخاطب الدول التي أعلنت مواقفها ضد اليمن، ويطرح عليها سؤالاً مباشراً: إذا كانت المقدسات هي القضية فما الذي ستفعلونه عملياً تجاه عدو المقدسات (الكيان)؟ وهكذا يضع الخطاب خصومه أمام اختبار سياسي مزدوج: بيانات ضد اليمن أم مواقف عملية ضد كيان الاحتلال؟
ومن منظور صنعاء (منظور الحق والحقيقة) فإن المعيار الحقيقي لصدق الموقف من المقدسات لا تحدده البيانات، بل الموقف العملي من فلسطين والصهاينة.
السعودية.. من «حارس المقدسات» إلى طرف في الحرب
في القسم الخاص بالسعودية، لا يكتفي الخطاب بنفي الاتهام المتعلق بمكة، بل يعيد بناء صورة الرياض باعتبارها رأس العدوان على اليمن. ويعدد الخطاب مظاهر العدوان السعودي: الغارات الجوية، استخدام الطائرات والأسلحة الأمريكية، استمرار الحصار، حرمان اليمن من موارده، القيود على المطارات والواردا، الاستعانة بخبراء أجانب، محاولة استدعاء أطراف دولية وإقليمية إلى الحرب...
ويخلص الخطاب إلى أن القضية ليست خلافاً حول حادثة منفردة، بل هي حرب مفتوحة بأدوات عسكرية وسياسية واقتصادية وإعلامية.
واشنطن ولندن و»تل أبيب».. «العدوان متعدد الطبقات»
من أكثر ما ركز عليه الخطاب، كشف السعودية مجدداً للعيان وأنها لا تدير الحرب منفردة. فقد تحدث السيد عبدالملك عن دور أمريكي و»إسرائيلي» وبريطاني في إدارة العمليات. وأشار إلى الإعلان الأمريكي عن وجود قوة من الخبراء العسكريين لإدارة العمليات في السعودية. وهنا يقدم الخطاب الحرب باعتبارها منظومة دولية متعددة المستويات: السلاح أمريكي، والخبرة الأجنبية حاضرة، والقرار السعودي هو الواجهة... وهذه النقطة تخدم فكرة أساسية في خطاب صنعاء: أن المعركة ليست يمنية ـ سعودية محضة، وأن استمرارها مرتبط بشبكة من المصالح والأدوار الدولية.
الحصار.. «المعركة التي لا تظهر في السماء»
إذا كانت الغارات هي الوجه العسكري للحرب فإن الخطاب يعامل الحصار بوصفه وجهها الاقتصادي والإنساني. ويطالب الخطاب السعودية بـ: وقف العدوان، وإنهاء الحصار، ورفع القيود، وعدم حرمان اليمن من ثروته الوطنية... ومن هذه الزاوية ينقل الخطاب النقاش من «مَن بدأ الجولة العسكرية؟» إلى سؤال أكبر: هل يمكن أن تكون هناك تهدئة حقيقية مع بقاء الحصار؟ وهذا يضع المطالب الاقتصادية والإنسانية في صلب تعريف صنعاء لما تعتبره سلاماً قابلاً للحياة.
البحر الأحمر والملاحة.. عنوان آخر للحشد
لم يُغفل الخطاب قضية الملاحة في البحر الأحمر. يرى السيد عبدالملك أن الحديث عن «الخطر على الملاحة» يُستخدم كذلك كعنوان لتأليب أطراف أخرى ضد اليمن؛ أي أن صنعاء لا تقرأ ملف البحر باعتباره ملفاً أمناً منفصلاً، وإنما تراه كجزء من المعركة السياسية الأوسع. وهنا تلتقي رواية الخطاب مع التطورات الإقليمية في 17 أييلول/ سبتمبر، إذ أفادت «رويترز» بارتفاع مستوى المواجهة بين السعودية والقوات المسلحة اليمنية، وبات البحر الأحمر وباب المندب جزءاً مباشراً من حسابات الصراع والطاقة والملاحة الدولية.
«من حق شعبنا أن يدافع عن نفسه»
هذه العبارة تمثل الخلاصة القانونية والسياسية التي ثبتها الخطاب والذي لا يقدم العمليات العسكرية اليمنية باعتبارها خياراً هجومياً منفصلاً، وإنما يضعها ضمن مفهوم: الدفاع عن الأرض والاستقلال والحرية وصد العدوان والحصار.. وفي الوقت نفسه يؤكد أن الانشغال بالدفاع عن اليمن لا يعني التخلي عن فلسطين أو قضايا الأمة. أي أن المعادلة هي: الدفاع عن اليمن + مواجهة كيان الاحتلال + حماية المقدسات = مسار واحد لا مسارات متعارضة.
السعودية ليست «المحور».. بل جزء من محور أكبر
الخطاب لا يضع السعودية في موقع الخصم الوحي؛ بل يرسم سلسلة مترابطة: السعودية، الولايات المتحدة، الكيان «الإسرائيلي»، بريطانيا، منظومة السلاح والخبراء والتحالفات... وبالمقابل:
اليمن، فلسطين، المقدسات، قضايا الأمة، محور المقاومة.
وهذه الثنائية هي العمود الفقري السياسي للكلمة، إذ يتجاوز حدود «الحرب اليمنية السعودية» إلى صراع إقليمي على تعريف العدو وتحديد الأولويات ورسم خرائط التحالفات.
الرسالة الأخطر.. «احتفظنا بحقنا»
من العبارات السياسية اللافتة في الخطاب تأكيده أن الشعب اليمني وقواته المسلحة تحتفظ بحقها الشرعي والقانوني والأخلاقي تجاه تلك الإساءة، وهذا الظلم الذي تعرض له. هذه الصياغة مهمة لأنها لا تغلق باب الرد، بل تتركه مفتوحاً. بمعنى آخر: الخطاب لا يكتفي بنفي الاتهام؛ بل يقول إن الاتهام نفسه قد أصبح سبباً إضافياً يمكن أن يدخل في حساب الرد اليمني. وهنا يتحول الخطاب من الدفاع الإعلامي إلى رسالة ردع سياسية.
«لا تحرفوا البوصلة»
ربما تكون العبارة الأكثر اختصاراً لروح الخطاب: لا تحرفوا بوصلة العداء. فمنظومة الخطاب كلها تقوم على هذه الفكرة: لا تجعلوا اليمنيين عدواً بدل الصهاينة. لا تجعلوا البحر الأحمر ذريعة لحشد الحرب على اليمن. لا تجعلوا مكة غطاءً سياسياً للعدوان. لا تجعلوا الخلافات داخل الأمة تطغى على القضية الفلسطينية. لا تحولوا البوصلة من فلسطين إلى اليمن. ومن هنا يمكن قراءة الخطاب باعتباره معركة على تعريف «من هو العدو؟» بقدر ما هو معركة على الأرض.
الخلاصة: يمكن اختزال خطاب 17 أيلول/ سبتمبر في الرسائل التالية:
اتهام اليمن باستهداف مكة افتراء سياسي وديني يراد منه حشد الآخرين. صنعاء تثبت صورة نفسها كطرف يعتبر الدفاع عن المقدسات وفلسطين جزءاً من مشروعها السياسي. السعودية ليست في موقع الوسيط أو الحامي للمقدسات، بل هي طرف مباشر في الحرب والحصار. الولايات المتحدة وكيان الاحتلال وبريطانيا حاضرة في البنية العسكرية والسياسية للحرب البحر الأحمر والملاحة ليسا ملفاً منفصلا عن الحرب، بل إحدى ساحات الصراع والضغط السياسي. استمرار الحصار والعدوان يعني استمرار حق اليمن في الدفاع والرد. ولا تجعلوا الصراع مع اليمن يحل محل الصراع مع الصهاينة، ولا تجعلوا الخلاف داخل الأمة يحجب القضية الفلسطينية.
لم ولن تكون مكة لدى اليمنيين مجرد قبلة؛ بل كانت ميداناً سياساً أيضاً. فالرياض استخدمت صفة «المقدسة» لتقول: اليمن يهدد مكة. وصنعاء ردت بتغيير السؤال: من يهدد مكة فعلاً؟ ومن الذي يحمي القدس؟ ومن يملك الشجاعة ليترك بيانات الإدانة وينزل إلى «الميدان»؟ هنا تنتهي قصة «المسيّرة نحو مكة» لتبدأ قصة أخرى أكثر اتساعاً: من يملك حق تعريف العدو؟
السؤال الذي حمله خطاب الخميس ليس فقط: هل استُهدفت مكة؟ بل: لماذا تُستدعى مكة إلى حرب اليمن بينما تبقى فلسطين خارج حسابات من يتحدثون باسم المقدسات؟! وهذه، في جوهر الخطاب، هي المعركة على البوصلة قبل أن تكون المعركة على الجبهة.
دستور يـاً الساحــل الغربـــي اليمن في أعين الصهيونية وأدواتها .. من «تهديد مؤجل» إلى «فيتو عاجل»
(1)
في ليلة واحدة وصفها المحلل السياسي غريغ بريدي في مجلة «ناشونال إنترست» الأمريكية بأنها حدث يستدعي إطلاق أجراس الإنذار في واشنطن والعواصم الغربية، شهد الساحل الغربي لليمن تحولاً دراماتيكياً خاطفاً. تحركت القوات الميدانية لتفرض واقعاً استراتيجياً جديداً شغلت تفاصيله كبرى الصحف ومراكز الأبحاث العالمية، بدءاً من صحيفة «نيويورك تايمز» وصولاً إلى التغطيات الميدانية لصحف المقاومة والبترودولار على حد سواء.
عاصفة الساحل وسقوط النقاط الحاكمة
يرى الباحث المتخصص في الشأن اليمني لدى مؤسسة «نيو أمريكا» في واشنطن، آدم بارون، أن هذا التقدم السريع نحو المناطق الساحلية المطلة على باب المندب يمثل إحدى أهم نقاط التحول في الصراع، بالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية الاستثنائية لهذه الرقعة الجغرافية.
ووفقاً للتقارير الميدانية فقد أدى الهجوم الكاسح للقوات المسلحة اليمنية إلى السيطرة الكاملة على مدينة وميناء المخا الاستراتيجي، والتمدد جنوباً نحو مديرية ذُباب والمديريات الساحلية المطلة على الممر المائي. وتُوّج هذا الانتشار بالسيطرة المباشرة على جزيرة بريم (ميون) الواقعة في قلب المضيق والتي تقسمه إلى قناتين ملاحيتين، امتداداً إلى السيطرة شمالاً على جزر حنيش الكبرى والصغرى وجزيرة زُقر.
وبيّن براء شيبان، من «المعهد الملكي للخدمات المتحدة» في لندن، أن التضاريس الجبلية المحيطة بتعز والساحل تمنح القوات المسلحة اليمنية موقعاً استراتيجياً يتيح التحكم والمراقبة المباشرة للملاحة البحرية في البحر الأحمر.
انهيار الفصائل الموالية وسيناريو «ردع العدوان» المُفشل
اعتبر الباحث في معهد «تشاتام هاوس» في لندن، فارع المسلمي، أن خسارة مدينة المخا شكلت انتكاسة كبيرة للقوات الموالية للسعودية، متحدثاً عن غياب الجاهزية والاستهانة المستمرة بقدرات خصومهم القتالية.
وعلى الصعيد الاستخباراتي، تم الكشف عن إفشال صنعاء لمخطط سعودي جرى الإعداد له لأكثر من عام تحت اسم عملية «ردع العدوان - إدلب اليمن»؛ كان يهدف لنقل المئات من العناصر السلفية والمتطرفة السورية عبر معسكرات الوديعة وشرورة لفتح جبهات في مأرب والجوف والساحل الغربي، حيث نُفذت ضربات استباقية استهدفت تجمعاتهم ومخازن سلاحهم. كما أظهرت التغطيات الميدانية الاستيلاء على كميات ضخمة من الذخائر والمعدات والآليات المدرعة أمريكية الصنع من طراز (M-ATV) المقاومة للألغام، والتي تركتها القوات أثناء انسحابها من الساحل الغربي والمخا.
ملحمة سماء مأرب واختراق الدفاع الجوي
على الصعيد الجوي، تناولت الأوساط العسكرية نجاح الدفاعات الجوية اليمنية في اعتراض وإسقاط مقاتلة سعودية حديثة من طراز (F-15SA) (الرقم التسلسلي 5529 تابعة للسرب 55 بقاعدة الملك خالد الجوية في خميس مشيط) في أجواء محافظة مأرب وأسر طاقمها المكون من طيارين.
وفي تحليل تقني وعسكري لعملية الإسقاط، بيّن التوثيق الحراري والبصري أن الطيار استشعر إطلاق الصاروخ عبر أجهزة التحذير الكهرو-بصرية (DEWS/CMWS)، وحاول التملص بالمناورة وزيادة السرعة لاختراق حاجز الصوت (1 ماخ)، إلا أن الصاروخ -المُرجح أنه من منظومة «ثاقب-2» المطورة محلياً بالهندسة العكسية وباحث حراري عن صواريخ (R-27T) الروسية- أصاب المقاتلة بشكل مباشر.
وأوضح المحلل العسكري علي النسي (Ali Al-Nasi) أن السيطرة على مواقع الساحل الغربي مكنت القوات المسلحة من اغتنام والاستيلاء على منصات دفاع جوي فرنسية حديثة من طراز «ميسترال» المزودة بكاميرات رصد حرارية كهروبصرية وتوجيه ليزري، إلى جانب صواريخ «إيغلا» (Igla-1E / Igla-S) الحرارية المحمولة على الكتف.
مدرسة التصنيع.. الذكاء الاصطناعي وعقيدة «الدفاع السلبي»
في قراءة استراتيجية نشرها الكاتب إبراهيم الأمين، رئيس تحرير صحيفة «الأخبار» اللبنانية فإن هذا التفوق الميداني يمثل نتاج بناء وتطوير عسكري أمني متدرج على مدى عقدين، انتقلت فيه صنعاء من الإاستيراد إلى توطين خطوط إنتاج محلية للصواريخ، والمسيّرات الانتحارية، والزوارق البحرية.
وحول التطور التقني النوعي، كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» عبر تقرير الصحفي نيكولاس كوليش نقلاً عن تقرير شركة الذكاء الاصطناعي «أنثروبيك»، أن خلية يمنية لتطوير الأسلحة في الشمال استخدمت نموذج الذكاء الاصطناعي «كلود كود» لتطوير برمجيات أسلحة موجهة، شملت محاكاة صاروخ باليستي متعدد المراحل يتجاوز مداه 2000 كم، وصواريخ مزودة بمركبات انزلاقية فرط صوتية.
وفي كتابه الشهير «القصف من أجل الانتصار» يوضح البروفيسور روبرت بيب أن العقاب الجوي التقليدي لا يمكنه حسم المواجهة ضد القوات اللامركزية ذات الدافعية المرتفعة، والتي تعتمد تكتيكات «الدفاع السلبي»، والتمويه، وتقليص البصمة التقنية، وإخفاء القدرات داخل شبكات أنفاق جبلية ممتدة تُدار من أسفل الأرض.
الانكشاف الإقليمي والصدمة العبرية والغربية
نقل الصحفي علي حيدر متابعة وسائل الإعلام الصهيونية، مثل صحيفة «يديعوت أحرونوت» وصحيفة «هآرتس»، التي أكدت أن اليمن أصبح حاضراً كعنصر رئيسي في معادلة الردع الإقليمية بعد السيطرة على باب المندب والجزر الحاكمة، وأن «تل أبيب» تتعامل مع هذا التموضع بكونه يمس مباشرة «أمنها القومي» والملاحة في البحر الأحمر.
من جانبه، أشار محرّر شؤون الشرق الأوسط في صحيفة «فايننشال تايمز» أندرو إنجلاند إلى أن نجاح هذه العمليات يمنح طهران وحلفاءها نفوذاً مزدوجاً يمسك بـ»فكّي الملاقط» في مضيقي هرمز وباب المندب، ما أدى لارتفاع أسعار النفط وخنق مسارات التصدير وإرباك الحسابات العسكرية للولايات المتحدة وحلفائها.
معادلة «فكّي الكماشة»
دخل الاقتصاد العالمي مرحلة منعطف هيكلي غير مسبوق مع تحول الصراع في البحر الأحمر والخليج العربي من مواجهة عسكرية محددة إلى حرب طاقة واختناق جيواقتصادي شامل. فقد أدى التنسيق الميداني والضغط الموازي على مضيقي هرمز وباب المندب إلى تشكيل ما وصفته التحليلات الدولية بـ»فكّي الكماشة»، وهو مسار شلّ حركة تصدير النفط والغاز، وعطل سلاسل التوريد للصناعات الاستراتيجية والغذاء، وأطلق موجة تضخمية عاتية أربكت البنوك المركزية وأسواق السندات العالمية.
إطباق «فكّي الكماشة»: خنق ثلث إمدادات الطاقة وتجارة العالم
وفقاً لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA)، يمر عبر مضيق هرمز يومياً نحو 21 مليون برميل من النفط الخام والمكثفات والمشتقات النفطية (ما يعادل 20٪ إلى 25٪ من الاستهلاك العالمي اليومي)، إضافة إلى نحو 30٪ من تجارة الغاز الطبيعي المسال المحمول بحراً.
وفي تحليل أعده المحرر محمد علي فقيه في «الأخبار» اللبنانية فإن التطور الدراماتيكي المتمثل في فرض حصار بحري على مضيق باب المندب -الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن ويتحكم بالمدخل الجنوبي لقناة السويس ويمر عبره نحو 9٪ إلى 12٪ من التجارة البحرية الدولية- أدى عملياً إلى إغلاق مزدوج ومُحكم. وتسبب هذا الضغط المزدوج في خنق زهاء 30٪ من إمدادات الطاقة العالمية الشاملة، وتعطيل أكثر من 12٪ من حركة التجارة البحرية الدولية للمواد الغذائية والبضائع المصنّعة.
وأكدت افتتاحية صحيفة «لوموند» الفرنسية أن هذا التموضع الميداني لحركة «أنصار الله» منح صنعاء وطهران القدرة على فرض «حق الفيتو» والتحكم المباشر بشرايين الاقتصاد الغربي.
شلل خط «شرق - غرب» (بترولاين) وانكشاف البدائل اللوجستية السعودية
في تحقيق موسع أعدته الكاتبة لينا بعلبكي في «الأخبار» أيضاً، إلى جانب تقرير محرّر شؤون الشرق الأوسط أندرو إنجلاند في صحيفة «فايننشال تايمز»، يتبين أن السعودية اعتمدت بكثافة عقب تقييد الملاحة في هرمز على خط أنابيب «شرق - غرب» (بترولاين/ Petroline) الممتد بمسافة 1200 كم. وكان الخط ينقل ما بين 4 - 5 ملايين برميل يومياً (من طاقته القصوى البالغة 7 ملايين برميل) نحو ميناء ينبُع على البحر الأحمر باعتباره «صمّام أمان» الصادرات.
غير أن تعرض الخط لهجمات بطائرات مسيّرة أدى إلى إيقاف تشغيله احترازياً. وتسبب ذلك في تداعيات كارثية على حركة الصادرات:
انهيار الصادرات والإنتاج:
أظهرت بيانات مؤسسة «كبلر» ووكالة الطاقة الدولية (IEA) أن إجمالي صادرات الخام السعودية هبط في آب/ أغسطس إلى نحو 3.2 مليون برميل يومياً (أدنى مستوى في 13 عاماً)، وتراجع إجمالي إمدادات الخام السعودي إلى 6 ملايين برميل يومياً (أدنى مستوى في أكثر من ثلاثة عقود)، بينما بلغ الإنتاج المصرّح به لأوبك 6.238 مليون برميل يومياً.
فشل المسار الشمالي البديل:
حاولت أرامكو توجيه النفط من ينبُع شمالاً عبر قناة السويس وخط «سوميد» إلى ميناء سيدي كرير بالبحر المتوسط. لكن هذا المسار لم يكن بديلاً مكافئاً لباب المندب؛ إذ إن الناقلات العملاقة (VLCC) لا تستطيع عبور السويس بحمولتها الكاملة، ما يتطلب عمليات إفراغ وتحميل إضافية.
كلفة التفاف رأس الرجاء الصالح:
الشحنات المتجهة من البحر المتوسط إلى الأسواق الآسيوية اضطرت للالتفاف حول أفريقيا عبر رأس الرجاء الصالح، ما رفع مدة الرحلة إلى 40 يوماً مقارنة بـ8 أيام فقط عبر مسار ينبُع - باب المندب المباشر نحو الهند (كما أظهرت بيانات رحلة الناقلة العملاقة Front Empire).
تراكم المخزونات:
أدى تعثر التصريف إلى ارتفاع المخزونات النفطية داخل السعودية من 61 مليون برميل (52٪ من السعة التخزينية) في حزيران/ يونيو إلى 75 مليون برميل (63٪ من السعة) في آب/ أغسطس.
قنبلة الديزل والكيروسين التضخمية وتضرر قدرات التكرير
لم تتوقف الأزمة عند حدود النفط الخام، بل امتدت لتضرب المكررات النفطية التي تشكل شريان التشغيل اليومي للاقتصاد العالمي.
وبحسب دراسات صادرة عن «معهد أوكسفورد لدراسات الطاقة»:
توقف وقود الشحن البري والبحري:
يعد الديزل الوقود التشغيلي الأساسي لأسطول الشاحنات الثقيلة، القطارات، السفن التجارية، والمعدات الزراعية. وتسبب توقف مصفاة «ياسرف» في ميناء ينبُع (التي تنتج وحدها 11 مليون جالون ديزل نظيف يومياً)، بالتزامن مع توقف ما يقرب من نصف طاقة التكرير الروسية بسبب هجمات المسيّرات الأوكرانية، في إحداث شح عالمي حاد في الديزل.
ارتفاعات قياسية:
قفزت أسعار الديزل في الولايات المتحدة إلى مستويات قياسية بلغت 6.00-6.27 دولار للجالون (ولامست 10 دولارات في كاليفورنيا)، بينما ارتفعت أسعار وقود الطائرات (الكيروسين) بنسبة 96٪، مما أدى إلى شلل ونظرة قاتمة لحركة الشحن الجوي للمكونات الدقيقة كأشباه الموصلات والأدوية.
التضخم وإرباك «الفيدرالي»:
أشار المحلل الأمريكي غريغ بريدي في مجلة «ناشونال إنترست» إلى أن ارتفاع الديزل يولد تضخماً مركباً يرفع أسعار السلع في كل مراحل الإنتاج والتوزيع. وهو ما أدى إلى إجبار الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي على اتجاه رفع أسعار الفائدة بدلاً من خفضها، مسدداً ضربة لرغبة ترامب المعلنة في اعتماد سياسة نقدية توسعية.
خنق الصناعات الاستراتيجية وتهديد الأمن الغذائي العالمي
استعرضت التقارير الصادرة عن الجمعية الملكية للكيمياء، ومنظمة الأغذية والزراعة (FAO)، امتداد الأزمة إلى القطاعات الصناعية والزراعية المتقدمة:
الألومنيوم والهيليوم:
تستحوذ دول الخليج على 10٪ من الإنتاج العالمي للألومنيوم الأولي. كما تصدّر قطر وحدها زهاء 30٪ من الإمدادات العالمية من مادة الهيليوم؛ وأدى انقطاع صادراتها إلى تهديد مباشر بتوقف أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي في المستشفيات العالمية وتوقف خطوط إنتاج الشرائح الإلكترونية وأشباه الموصلات.
أزمة الأسمدة والغذاء:
تشكل المنطقة المصدر الرئيسي للأمونيا واليوريا والمخصبات النيتروجينية والكبريت. ونقلت وكالة «رويترز» عن وزارة المالية البرازيلية أن البرازيل (التي تستورد 80٪ من احتياجاتها من الأسمدة، وكانت تعتمد على الشرق الأوسط في 35٪ من واردات اليوريا) واجهت أزمة إمدادات حادة هددت الإنتاج الزراعي وتسبب في توقف شاحنات نقل الحبوب، مما ينذر بكارثة غذاء عالمية.
زلزال سوق السندات الفيدرالية والانكماش الهيكلي للاقتصاد المحلي
في قراءة تحليلية للخبير الاقتصادي والدبلوماسي الدكتور حسن أحمديان، فإن أزمة الطاقة المتفاقمة ارتبطت مباشرة بإنذار خطر داهم صادم من سوق السندات العالمية:
صعود عوائد السندات:
ارتفعت عوائد السندات الحكومية إلى مستويات تاريخية لم تشهدها الأسواق منذ عقود (العوائد الأمريكية لأعلى مستوى منذ 19 عاماً، والبريطانية لأعلى مستوى منذ 1998، إلى جانب ارتفاعات حادة في ألمانيا وفرنسا واليابان).
الدائرة المغلقة القاتلة:
تُجبر الحرب وإغلاق المضائق وضرر القطاع النفطي السعودي أسعار الطاقة على الارتفاع فوق مستويات 107–110 دولارات للبرميل (مع ترجيح الوصول إلى 120–150 دولاراً)، إعادة إشعال التضخم العالمي، تثبيت أسعار الفائدة مرتفعة، ارتفاع تكلفة اقتراض الحكومات والشركات الغارقة في الديون، ضغط هائل وتهديد بانهيار مالي.










المصدر «لا» 21 السياسي