دكاكين الخاصة تنهـش لحم التلاميذ والمعلمين على السواء.. الهروب من رمضاء المدارس الحكومية إلى نار الأهلية
- تم النشر بواسطة بشرى الغيلي/ لا ميديا
بشرى الغيلي / لا ميديا -
«ماذا تفعل 70 ألف ريال مقابل جهد خمس سنوات؟!»، بهذه العبارة تختزل المعلمة أم محمد لـ«لا» تفاصيل استنزافها اليومي خلف أسوار إحدى المدارس الأهلية.. لا تقتصر مأساة هذه المعلمة على راتبها الزهيد الذي لا يكفي لسد أبسط رمق للعيش، لتصبح بيئة عمل خانقة تُفرض فيها أعباء مالية إضافية كطباعة الامتحانات وتجهيز الوسائل التعليمية من جيبها الخاص.. وفي ظل غياب أبسط الحقوق، تعيش أم محمد تحت التهديد المستمر بقطع لقمة العيش؛ إذ يكفي ألا تكتمل صفحات دفتر تحضيرها لتنقض عليها الإدارة بسلسلة من الخصومات التعسفية.
قصة أم محمد هي النافذة الأكثر قتامة التي تطل على كواليس قطاع تعليمي تحول إلى «بورصة استثمارية»؛ قطاع تُسحق فيه كرامة المعلمين بلا رحمة عبر عقودٍ توجعهم، وتُستنزف فيه جيوب الآباء برسوم فلكية وأقساط تعجيزية، وتعميمات الجهات الرقابية لا تحل المشكلة.
وسيلة لاقتطاع الراتب
عباد العرشي، مُدرس يشير إلى تفاوت الأجور التي قال إنها «لا تتجاوز 50 ألف ريال شهرياً» في بعض المدارس، مؤكداً لـ«لا» أن المشكلة الحقيقية ليست في غياب العقود، بل «في ضمان تنفيذ ما ورد فيها».
ويوضح العرشي كيف تُهدر حقوق المعلم عبر لائحة الجزاءات، حيث «تُفرض خصومات متعددة على المعلم مقابل التأخير أو الغياب أو أخطاء العمل».
ويستنكر استنزاف هذا الدخل الذي هو «أساساً محدود»، مطالباً بأن تكون العقوبات «ضمن حدود القانون، وألا تتحول إلى وسيلة لاقتطاع راتب المعلم».
يتم فصلك لأتفه سبب
فيما تلخص المعلمة (أ. ن) قصتها مع استغلال بعض المدارس الخاصة والأجور الزهيدة قائلة لـ«لا»: «الراتب لا يتناسب مع الجهد، والراتب الذي أتقاضاه 60 ألف ريال في الشهر». ولا يقف الإجحاف عند الفتات المالي، ليتحول إلى سيف العقود التي تؤكد المعلمة أنها «لا تشمل أي بدلات مالية للمعلم». وتحولت تلك العقود إلى أداة للابتزاز اليومي والتهديد بلقمة العيش لسلب حقوقهم والتهرب من مستحقاتهم، حيث تختزل المعلمة مأساتها بالقول: «نعم نلتزم بتوقيع العقد، ولكن إذا لم تقم بالأعمال المطلوبة منك، وهذه الأعمال لا تكون موجودة في العقد، يتم فصلك».
في زاوية أخرى من زوايا المعاناة داخل المدارس الخاصة، تروي المعلمة (أ. م) تفاصيل استنزاف المعلمين مقابل أجور زهيدة، مؤكدة أن العائد المادي «لا يكفي مع بذل جهد كبير ومراحل كثيرة».
وتوضح لـ«لا»أن «طبيعة العمل تحكمها شروط قاسية، تبدأ بتوقيع العقود المتعارف عليها بين المدارس لمدة عام»، لتصطدم بعدها بواقع وظيفي خانق يُحرم فيه المعلم من حقه الطبيعي في الراحة، حيث تشير: «لا إجازات.. مسموح لك يوم كل ترم فقط، نظام كل المدارس».
ولا يتوقف الأمر عند الضغط الجسدي وإنما يمتد للاستقرار النفسي والمهني، لتلخص المعلمة حجم المأساة الشاملة بالقول: «أما غياب الأمان الوظيفي، وضع اليمن بأكمله لا يوجد فيه أمان، مما يؤثر على البيئة التعلمية».
التنصل من الحقوق
يتفق المُدرس أبو نصر الله مع سابقيه حول استغلال المدارس للجانب القانوني، موضحاً لـ(لا) أن «وجود العقود بحد ذاته خطوة جيدة»، لكن الخلل يكمن في مضمونها المجحف. ويشير إلى أن تلك العقود تأتي «مفصلة في جانب الالتزامات والجزاءات أكثر من الحقوق»، مما «يضع المعلم أمام شروط كثيرة قد تستخدم ضده عند أي خلاف». ويؤكد أن صياغة البنود تمنح الإدارة مساحة واسعة للخصم وتجعل حقوق المعلم مبهمة، وهو ما «يسهل التنصل من بعض الحقوق عند انتهاء العمل». مطالباً في ختام حديثه «بعقود متوازنة تحمي المدرسة والمعلم معاً».
وفي شهادة أخرى تكشف حجم المعاناة، تؤكد المعلمة علياء عدم كفاية المردود المادي الذي تتقاضاه مقابل عملها، إلا أنها تشير إلى افتقار بيئة العمل لأبسط الحقوق الأساسية قائلة: «لا توجد رعاية صحية وإجازات». وتلخص الانعكاسات الحتمية لهذا الإجحاف وغياب الاستقرار على مجمل العملية التعليمية، مؤكدة أن «التأثير سلبي».
مقصلة الخصومات
وتوثيقاً لحجم هذا الاستغلال، تكشف «لائحة جزاءات» تعسفية -حصلت «لا» على نسخة منها- كيف تعمد بعض إدارات المدارس الأهلية إلى استنزاف رواتب معلميها.. إذ لا تبدو هذه اللائحة مجرد أداة للضبط الإداري، بقدر ما تمثل وثيقة مشرعة لاقتطاع أجزاء من ذلك الأجر الزهيد؛ حيث تترصد أدق تفاصيل اليوم المدرسي وتستغلها كذرائع لفرض غرامات مالية وخصم «أقساط» كاملة لأسباب إدارية بحتة، في تكريس واضح لسياسة التضييق والاستنزاف الممنهج لحقوق المعلم.
الأمان الوظيفي
وتشارك المعلمة هدى زميلاتها ذات المعاناة، مشيرة إلى أن راتبها البالغ 80 ألف ريال «لا يتناسب مع حجم الجهد والسنين الكثيرة بالمدرسة». مؤكدة أنها «لا تمتاز برعاية صحية».
وتلفت هدى النظر إلى الارتباط الوثيق بين الاستقرار النفسي للمعلم ومخرجات التعليم، حيث تختتم حديثها بالتأكيد على أن «الأمان الوظيفي ينعكس على جودة العملية التعليمية».
حاملة هم دفع أقساط
تجد سعاد عسكران (موظفة) نفسها أمام عبء مالي يفرضه اشتراط قسط أول لرسوم تبلغ 115 ألف ريال مما يربك ميزانيتها ويجبرها على «الضغط على مصاريف البيت الأساسية وتأجيل الالتزامات الأخرى».
ولتجنب نقل طفلها لمدارس أبعد بسبب الأوضاع، تضطر لتدبير المبلغ مكابدةً ضغطاً مستمراً تصفه قائلة: «الصدق إني أكون حاملة هم إني عأدفع بأقساط شهرية حتى لا يتراكم». ورغم هذا العبء، تفضل سعاد شراء الكتب -التي تراها معقولة السعر- من المدرسة مباشرة «حتى لا يصير التباس في طباعة المنهج».
وتوثيقاً للأعباء التي ذكرتها سعاد تكشف وثيقة حصلت «لا» على نسخة منها لإحدى المدارس الأهلية كيف تُستنزف جيوب الآباء؛ إذ لا تقتصر المعاناة على رسوم دراسية تتجاوز 310 آلاف ريال لبعض المراحل، بل تتعداها لاشتراط دفع 40٪ من إجمالي المبلغ كقسط أول عند التسجيل، مما يفرض حصاراً مالياً خانقاً على الأسر منذ اليوم الدراسي الأول.
الوجه الآخر للرسوم
ولإنصاف كفة الميزان توضح المعلمة ملوك ناصر أن ارتفاع الأقساط ليس دائماً «جشعاً استثمارياً»، بل تحكمه معايير الموقع وتكاليف البيئة المدرسية. وتشير إلى أن المدارس في الأحياء الراقية تضطر لرفع رسومها لتغطية نفقاتها الباهظة، وفي مقدمتها استئجار مبانٍ بـ»مساحات وأحواش كبيرة» بدلاً من الشقق السكنية المكتظة، إلى جانب استقطاب «معلمين أكفاء» برواتب مجزية ما يجعل هذه الرسوم انعكاساً مباشراً لتكلفة الجودة ومكان تقديمها.
جهة رقابية
وفي رده على هذه التجاوزات يوضح هادي عمار، وكيل وزارة التربية.. في تصريح خاص لـ«لا»، دور إدارة التعليم الأهلي مؤكداً أنها «جهة رقابية وليست جهة ترخيص فقط». وحول الاستغناء التعسفي وضياع حقوق الكوادر التعليمية، يشدد عمار على أن «الاستغناء عن المعلم لا يعني سقوط حقوقه»، مبيناً أنه يتم التحقق من الشكاوى والمستندات و»لا تُترك الشكوى دون متابعة». ويشير إلى أن أي مدرسة تتجاوز القوانين «تُحاسب وفق اللوائح»، مختتماً تصريحه بالتأكيد على أن المشكلة لا تكمن في غياب التعليمات بل في «الالتزام بها»، ومشدداً على أن «الرقابة الميدانية وضبط المخالفات هي الأساس».
من تثبت مخالفته يتحمل المسؤولية
وحول الجانب الرقابي يؤكد مدير مكتب التربية بمحافظة صنعاء، طالب دحان أن المدارس «ملزمة بالرسوم المعتمدة في تراخيصها»، معتبراً فرض قسط أول كبير أو مضاعفة أسعار الكتب «مخالفة يتم التحقق منها بالنزول الميداني». وفيما يخص حقوق المعلمين، يشدد على إلزامية إبرام «عقد رسمي يحدد الراتب ومدة العمل وطبيعة الوظيفة»، مؤكداً متابعة شكاوى الاستغناء التعسفي وإحالة المخالفات للجهات المختصة، ليختتم محذراً: «المدرسة الأهلية لها حق الاستثمار، لكنها تعمل داخل ضوابط التربية، ومن يثبت مخالفته يتحمل مسؤولية مخالفته».
تعميمات
في محاولة لضبط منظومة التعليم الأهلي، أصدرت الوزارة تعميماً رسمياً للعام الدراسي 1447هـ (2025/2026م)، يربط تجديد تراخيص المدارس وتعميد وثائقها بضرورة توفير المناهج الحكومية حصراً عبر «مطابع الكتاب المدرسي». ورغم تأكيد التعميم صراحة على إلزامية إبرام عقود عمل سنوية تحدد الراتب ونوع المهام وتسليم المعلم نسخة منها، إلا أن هذه التوجيهات الوزارية تصطدم بواقع مغاير على الأرض، لتبقى مجرد نصوص نظرية تفتقر لصرامة التنفيذ الميداني أمام تعنت إدارات المدارس وتجاوزاتها المستمرة.
قضايا المعلمين
رغم غياب إحصائية مفصلة لعدد قضايا المعلمين المرفوعة ضد المدارس الأهلية، إلا أن القاضي بسام الشامي؛ رئيس المحكمة العُمّالية يؤكد أن ذلك «لا يعني عدم وجود قضايا».
ويوضح أن هذه المنازعات تخضع صراحة لاختصاص القضاء العُمّالي وفق قانون العمل اليمني، مشدداً على أن «استبدال المعلم أو إنهاء عمله لا يسقط مستحقاته القانونية متى ثبتت».
ويحسم الشامي الجدل القانوني بالتأكيد الحازم على أنه «لا يجوز حرمان العامل من أجره أو حقوقه الثابتة تحت أي مبرر»، مبيناً أن الفصل في كل حالة يتم «وفق العقد والمستندات والقانون».
تفعيل المدارس الحكومية
يطرح الناشط الاجتماعي مختار العمراني رأيا مختلفا ومقاربة ترتكز على إحياء المدارس الحكومية لكسر تغول التعليم الأهلي. وبدلاً من فرض رسوم جبرية موحدة يراها تتنافى مع تفاوت التكاليف الاستثمارية، يقترح العمراني استنساخ تجربة الجامعات بفتح نظام «النفقة الخاصة» بنسبة محدودة، أو إقرار فترات مسائية برسوم معقولة لدعم موازنة التعليم الحكومي.
ويؤكد العمراني أن توفير حوافز ذاتية تضمن بقاء المعلمين في تلك «الإمبراطوريات الحكومية» المجهزة بالمباني والمساحات الضخمة؛ سيسحب البساط تلقائياً، ويدفع معظم المدارس الأهلية التي وصفها بـ«الدكاكين والشقق السكنية» إلى الإغلاق.
لغة الأرقام
في مؤشر يعكس التوسع المستمر في قطاع التعليم، تشير أحدث البيانات المتاحة للعام الدراسي (2024/2025) إلى وجود أكثر من 738 مدرسة أهلية في أمانة العاصمة صنعاء وحدها؛ وهو رقم يضع الجهات المعنية أمام مسؤولية مضاعفة لتعزيز دورها الرقابي، وضمان التزام هذا العدد الكبير من المنشآت باللوائح المنظمة بما يحفظ حقوق الآباء والمعلمين على حد سواء.
لم تعد بعض أروقة التعليم الأهلي سوى بورصة استثمارية؛ الآباء فيها أرقام تُستنزف، والمعلمون أيدٍ عاملة تُسحق بلا رحمة، وأمام ترسانة من التعميمات التي لا تغادر أدراج المكاتب، تقف الجهات الرقابية اليوم أمام اختبار صريح: إما تطبيق التعميمات التربوية ميدانياً لضبط هذا التغول، أو الاكتفاء بالوقوف كشاهد زور على تصفية ما تبقى من كرامة التعليم.










المصدر بشرى الغيلي/ لا ميديا