بين ضحيان وميناب.. ذاكرة تصنع الفارق .. 8 أعوام على مجزرة «تلاميذ الحافلة» والضحايا لا يزالون خارج كشوفات الشهداء
- تم النشر بواسطة عادل عبده بشر / لا ميديا
تقرير: عادل بشر / لا ميديا -
ما إن يحل شهر آب/ أغسطس من كل عام حتى يتذكر اليمنيون إحدى أبشع المجازر التي ارتكبها العدوان الأمريكي السعودي الإماراتي بحق أطفال اليمن، مستهدفاً بغارة جوية حافلة طلاب الدورات الصيفية بمدينة ضحيان في محافظة صعدة، خلّفت عشرات الشهداء والجرحى من الأطفال جميعهم تحت سن 15 عاماً، ومن المواطنين.
ثماني سنوات مضت على المجزرة؛ لكن شيئاً لم يتغير في ذاكرة أسر أطفال حافلة ضحيان. فما تزال الحافلة، التي تحولت إلى شاهد على واحدة من أبشع المجازر بحق الأطفال في اليمن، تقف عند مدخل مقبرة الشهداء، بينما لا تزال أشلاء مجهولة في ثلاجة أحد المستشفيات. ويؤكد ذوو الضحايا أن أبناءهم لم يُعتمدوا حتى اليوم ضمن كشوفات شهداء الوطن.
وفي الذكرى الثامنة للمجزرة، لا يطالب الأهالي بمحاكمة مرتكبي الغارة فحسب، بل يبدؤون من مطالب يرونها حقاً إنسانياً قبل أن تكون استحقاقاً قانونياً، وهي الاعتراف بأطفالهم شهداء، ودفن ما تبقى من أشلائهم، ورعاية الجرحى، والحفاظ على ذاكرة الجريمة حتى لا تتحول مع مرور الزمن إلى مجرد رقم في سجل الحرب.
غداة ذلك اليوم، التاسع من آب/أغسطس 2018، تحولت رحلة طلابية إلى مأتم.
تجمع عشرات الأطفال في سوق ضحيان الشعبية بمحافظة صعدة استعداداً لرحلة ترفيهية نظمت احتفاءً بانتهاء الدورات الصيفية. دقائق قليلة كانت تفصلهم عن مغادرة السوق، قبل أن تستهدف غارة جوية الحافلة التي كانت تقلهم، لتحولها إلى كتلة من اللهب والدخان.
وأسفر عن الهجوم استشهاد وإصابة نحو 120 شخصاً من الأطفال وأصحاب المحال التجارية والمواطنين. وبحسب بيانات وزارة الصحة، فإن جل الشهداء ممن كانوا في الحافلة (5 مدرسين و37 طالباً).
أثارت المجزرة موجة إدانات دولية واسعة، فيما اعتبرت تقارير أممية ومنظمات حقوقية استهداف الحافلة انتهاكاً جسيماً لقواعد القانون الدولي الإنساني، وإحدى أبرز الهجمات التي طالت الأطفال خلال سنوات تحالف العدوان الأمريكي السعودي على اليمن منذ مطلع العام 2015.
حقوق معلقة
ورغم مرور 8 سنوات على المجزرة، يؤكد أهالي الضحايا أن آثارها لم تتوقف عند لحظة القصف، وإنما امتدت إلى سنوات من الانتظار، دون أن تُحسم ملفات يقولون إنها تمثل الحد الأدنى من الإنصاف.
وقال لـ»لا» عبدالعزيز الهدوي، والد الطفلين الشهيدين يوسف ويونس، إن الأطفال الذين استشهدوا في الغارة لم يُعتمدوا حتى اليوم ضمن كشوفات شهداء الوطن، مضيفاً: «إلى اليوم ونحن نتابع في كل مكان، ولكن لا حياة لمن تنادي».
وأوضح الهدوي، خلال حديثه مع «لا» عبر الهاتف، أمس، أن أهالي الأطفال الضحايا يُكررون المناشدات تلو المناشدات للمسؤولين في الحكومة، عاماً بعد آخر، لا يطلبون شيئاً سوى الاعتراف بأطفالهم ضمن شهداء الوطن، والتعامل بمسؤولية مع ما يرتبط بهذه الجريمة، من خلال توثيقها وتخليد مقتنيات الضحايا لتكون شاهدة على قبح الجُرم وإجرام مرتكبيه.
وأشار إلى أن أسر الضحايا لا تعرف الأسباب التي حالت دون اعتماد الأطفال شهداء، مجدداً مناشدتهم للجهات المختصة سرعة إنصافهم ورعاية أسرهم والجرحى.
وأضاف الهدوي: «بجاهي عندكم توصلوا الخبر للسيد... إذا وصل الخبر للسيد القائد بأن أطفالنا خارج كشف الشهداء، كل شيء سيتيسر».
بدوره، يؤكد ممثل أهالي شهداء وجرحى الحافلة، زيد حسين طيب، أن الجهات المختصة اعتمدت المعلمين الخمسة الذين كانوا برفقة الأطفال، بينما بقي الأطفال خارج قوائم الشهداء.
ويقول طيب، وهو والد ثلاثة أطفال استشهدوا في المجزرة، إن الأهالي طرقوا أبواب الجهات المعنية مراراً، ورفعوا مناشداتهم في أكثر من ذكرى، لكن مطالبهم لم تجد طريقها إلى التنفيذ.
أشلاء تنتظر أصحابها
ولا تقف المأساة عند عدم اعتماد الأطفال ضمن كشوفات الشهداء، إذ لا تزال أجزاء من جثامين بعض الضحايا الذين لم يتعرف عليهم محفوظة في ثلاجة مستشفى الطلح، بعد 8 سنوات من وقوع المجزرة.
وبحسب مصدر طبي، فإن تلك الأشلاء لم تُدفن حتى الآن، رغم وجود توجيهات سابقة من النيابة باستكمال إجراءات دفنها.
وحول هذا تواصلت «لا»، مع مدير مستشفى الطلح، الدكتور محمد الخطيب، لسؤاله عن الأسباب التي تحول دون دفن الأشلاء، غير أنه اعتذر عن التصريح عبر الهاتف، مطالباً المحرر بالنزول إلى صعدة، وقال: «الكلام بالتلفون ما هو سابر».
وكان الخطيب قد أكد في تصريح سابق لـ»لا» نُشر في الذكرى السابعة للمجزرة، أنه «يوجد في المستشفى نحو أربع جُثث لضحايا مجزرة حافلة ضحيان، وهذه الجثث غير مكتملة ولم نستطع التعرف عليها».
وأضاف مدير عام مستشفى الطلح: «تلقينا مذكرة من النيابة، قبل فترة، بدفن هذه الجُثث، إلا أن إجراءات الدفن لم تُستكمل، نظراً لانشغالنا، وعدم حضور الجهات المعنية، ومازالت الجثث في ثلاجة المستشفى، وإن شاء الله يتم دفنها في الأيام القادمة».
غير أن الدفن لم يتم حتى اليوم
المأساة ذاتها تنعكس أيضاً في روضة شهداء الحافلة، حيث لا تزال بعض القبور تنتظر جثامين أصحابها، ففي أحد القبور وُضع معطف طفل بعد تعذر العثور على رفاته، وفي قبر آخر لم يُدفن سوى قدم طفل شهيد، بعد أن تعذر العثور على بقية جثمانه.
مطالب لا تتغير
ويقول أهالي الضحايا إن مطالبهم لم تتغير منذ اليوم الأول للمجزرة، وتتمثل في اعتماد الأطفال ضمن قوائم شهداء الوطن، ورعاية الجرحى وأسر الضحايا، وإجراء فحوص الحمض النووي (DNA) للأشلاء مجهولة الهوية تمهيداً لدفنها، إلى جانب الاهتمام بروضة الشهداء، والحفاظ على الحافلة التي وثقت الجريمة، وإنشاء معرض دائم يضم صور الأطفال ومقتنياتهم.
ويرى الأهالي أن تنفيذ هذه المطالب لا يمثل مجرد إجراءات إدارية، وإنما اعترافاً رسمياً بمعاناة ما تزال مستمرة منذ 8 سنوات.
10 آلاف طفل شهيد وجريح
وشن التحالف الأمريكي السعودي عدواناً على اليمن منتصف ليل 26 آذار/ مارس 2015، مرتكباً أبشع الجرائم بحق اليمن أرضاً وإنساناً، ثم فرض عليه حصاراً ظالماً، طوال 12 عاماً.
ووفقاً لإحصائية حديثة صادرة عن مركز عين الإنسانية للحقوق والتنمية، فقد بلغ عدد الشهداء والجرحى المدنيين جراء العدوان والحصار 61 ألفاً و10 مدنيين.
وبحسب بيانات المركز، بلغ عدد الشهداء 24 ألفاً و728 شهيداً، بينهم 4 آلاف و365 طفلاً، وألفان و653 امرأة.
فيما بلغ عدد المصابين 36 ألفاً و282 مدنياً، بينهم 5 آلاف و578 طفلاً، و3 آلاف و351 امرأة. وبذلك يكون إجمالي الضحايا من الأطفال 9 آلاف و943 بين شهيد وجريح.
ذاكرة الضحايا
وتأتي الذكرى الثامنة لمجزرة ضحيان في وقت تستحضر فيه دول أخرى ضحايا الهجمات على الأطفال والمدارس بوسائل مختلفة. ففي إيران، حظيت جريمة استهداف العدوان الأمريكي الصهيوني مدرسة ابتدائية للفتيات في مدينة ميناب، باهتمام واسع، إذ تحولت حقائب الطالبات إلى رمز وطني حمله وفد رسمي على متن الطائرة في رحلته إلى باكستان للتفاوض، كما حضرت المأساة في الفعاليات الرياضية والإعلامية، وتصدرت الفتيات الضحايا قائمة شهداء الوطن.
وبالنسبة لأهالي شهداء ضحيان، فإن المقارنة لا تتعلق بظروف الجريمتين بقدر ما تتعلق بطريقة الحفاظ على ذاكرة الضحايا.
فبينما تحولت مقتنيات ضحايا ميناب إلى رسالة وطنية تستحضرهم في المحافل الرسمية والشعبية والأممية، وتولي الجهات المختصة في طهران أسرهم جُل اهتمامها، لا تزال أسر أطفال ضحيان تنتظر أن يحظى أبناؤها بالاعتراف الذي يليق بتضحياتهم، وأن تُدفن أشلاؤهم، وتُصان ذكراهم، وتُستكمل حقوقهم.










المصدر عادل عبده بشر / لا ميديا