عادل بشر / لا ميديا -
دخلت التداعيات الناجمة عن الضربات التي استهدفت منشآت النفط السعودية مرحلة جديدة، بعد تأكيد تقارير دولية، أمس، إغلاق شركة أرامكو مصفاة جيزان، بالتزامن مع استمرار الحرائق في ذات المصفاة لليوم الرابع، وفي خطوط نقل النفط الخام من شرق السعودية إلى غربها لليوم الثاني، وسط مؤشرات على اضطراب عمليات الإنتاج والتكرير وإعادة ترتيب مسارات تصدير الخام السعودي عبر البحر الأحمر.
وأفادت وكالة رويترز، نقلاً عن مذكرة صادرة عن شركة الاستشارات الصناعية (IIR)، بأن شركة أرامكو أوقفت تشغيل مصفاة جيزان، التي تبلغ طاقتها الإنتاجية نحو 400 ألف برميل يومياً، اعتباراً من 27 يوليو، عقب الهجوم الذي استهدفها ليل الجمعة الماضية، مشيرة إلى وقوع أضرار بمجمع دورة التغويز المركبة المتكاملة (IGCC) ومنطقة خزانات النفط داخل المجمع الصناعي.
وأوضحت أن الأضرار طالت، أيضاً، أجزاءً حيوية من المنشأة التشغيلية، وأن الفرق الفنية والهندسية لا تزال تقيم حجم الأضرار وتأثيرها المباشر على العمليات التشغيلية، فيما تتوقع الشركة استكمال أعمال الإصلاح وإعادة تشغيل المصفاة بصورة مبدئية بحلول 15 آب/ أغسطس المقبل.
ويُعد توقف مصفاة بهذا الحجم من أبرز التداعيات التشغيلية التي تكشفها التقارير الدولية منذ بدء التصعيد الأخير، نظراً للدور الذي تؤديه المصفاة في تكرير النفط الخام وإنتاج المشتقات النفطية في جنوب غرب المملكة.
وفي السياق ذاته، أظهرت صور الأقمار الصناعية المحدثة الصادرة عن نظام NASA FIRMS لرصد الحرائق، أمس، استمرار اندلاع الحرائق داخل مجمع مصفاة أرامكو في جيزان لليوم الرابع على التوالي.
وفي تطور موازٍ، أكدت تقارير دولية استمرار الحرائق داخل منشآت أرامكو التي استهدفتها القوات المسلحة اليمنية، أمس الأول، بعدد من الطائرات المسيرة، وعلى رأسها منشأة معالجة النفط في بقيق، وخطوط نقل النفط الخام من شرق السعودية إلى غربها، في مؤشر على اتساع آثار الضربات.
وقالت شركة Sentinel-2 المتخصصة في تحليل صور الأقمار الصناعية إن أحدث الصور لا تزال تظهر أعمدة دخان وآثار حرائق داخل منشأة بقيق، مشيرة إلى أن الحرائق ما تزال مشتعلة في المعمل الذي يمتلك قدرة معالجة تصل إلى نحو سبعة ملايين برميل يومياً.
وأضافت الشركة أن استمرار ظهور النيران والدخان في الصور الفضائية يشير إلى أن عمليات الإخماد فشلت حتى أمس في إنهاء آثار الهجوم بصورة كاملة.
وتزامن ذلك مع ما نشرته حسابات متخصصة في مراقبة الأقمار الصناعية، والتي أكدت أن صور الرصد حتى 28 تموز/ يوليو الجاري ما تزال تُظهر تصاعد الدخان من منشآت أرامكو في جيزان، مع تغير اتجاه أعمدة الدخان تبعاً لحركة الرياح.
وفي المقابل، لفتت وكالة بلومبرغ إلى أن شركة أرامكو ووزارة الطاقة السعودية امتنعتا عن التعليق على استفسارات الوكالة بشأن تأثير العمليات الأخيرة على المنشآت النفطية، في وقت أثار فيه غياب البيانات الرسمية تساؤلات حول حجم الأضرار الفعلية وانعكاساتها على قطاع الطاقة السعودي.
وكانت القوات المسلحة اليمنية قد أعلنت، السبت الماضي، عن تنفيذ عمليتين عسكريتين نوعيتين، استهدفتا منشآت تابعة لشركة أرامكو في جيزان وينبع، بالصواريخ والطائرات المسيرة، ردا على العدوان السعودي الإجرامي على مدينة وميناء الحديدة وجزيرة كمران، وإمعانه في حصار الشعب اليمني وانتهاك سيادة الجمهورية اليمنية.
وأمس الأول، أعلن الناطق الرسمي للقوات المسلحة اليمنية ضرب أهداف مرتبطة بإمدادات ونقل النفط الخام من شرق السعودية إلى مدينة ينبع، بعدد من الطائرات المسيرة، رداً على اختراق المسيرات التابعة للعدو السعودي للأجواء اليمنية.
وامتدت آثار التصعيد، أمس، إلى حركة تصدير النفط السعودي، حيث كشفت تقارير متخصصة عن تغييرات واسعة في خطوط الشحن، بعد تصاعد المخاوف الأمنية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
وأوضح موقع OilPrice المتخصص في شؤون الطاقة أن السعودية بدأت إعادة توجيه صادراتها النفطية عبر الأراضي المصرية، من خلال نقل الخام إلى ميناء العين السخنة ثم ضخه عبر خط أنابيب «سوميد» إلى ميناء سيدي كرير على البحر المتوسط، بهدف تجاوز المخاطر المرتبطة بالمرور عبر باب المندب.
وأشار التقرير إلى أن ما لا يقل عن ثماني ناقلات نفط عملاقة اتجهت إلى ميناء سيدي كرير لتحميل النفط السعودي، في وقت انخفضت فيه حركة ناقلات النفط عبر البحر الأحمر إلى أدنى مستوياتها منذ عدة أشهر، مع اضطرار بعض الناقلات إلى اختيار طرق بحرية أطول وأكثر كلفة حول رأس الرجاء الصالح.
وفي الاتجاه نفسه، ذكرت مجلة Lloyd's List Intelligence البريطانية أن صادرات النفط السعودية عبر البحر الأحمر شهدت تراجعاً ملحوظاً منذ 23 تموز/ يوليو الجاري، بعد اختفاء حركة عدد كبير من ناقلات الخام القابلة للتتبع، نتيجة لجوء شركات النقل إلى إطفاء أنظمة التعريف الآلي (AIS) أو تغيير مساراتها تجنباً للمخاطر.
وأكد التقرير أن ما لا يقل عن 11 ناقلة نفط أوقفت إشارات التتبع قبالة ميناء ينبع، فيما غيّرت ثماني ناقلات أخرى مساراتها، الأمر الذي يهدد أحد أهم منافذ تصدير النفط السعودي، ويفرض استخدام طرق بحرية أطول وأكثر تكلفة، مع ما يترتب على ذلك من زيادة في نفقات النقل والضغط على أسطول الناقلات العالمية.
ويرى مراقبون أن تزامن إغلاق مصفاة جيزان مع استمرار الحرائق في منشآت بقيق، إلى جانب اضطراب خطوط تصدير الخام وتحويل مسارات الناقلات، يعكس اتساع التأثيرات التي طالت قطاع الطاقة السعودي، ليس فقط على مستوى المنشآت المستهدفة، وإنما أيضاً على سلاسل الإمداد وحركة الصادرات، في وقت تواصل فيه التقارير الدولية متابعة تطورات المشهد عبر صور الأقمار الصناعية وبيانات حركة السفن، وسط استمرار الغموض الرسمي بشأن الحجم الكامل للخسائر.
وتأتي العمليات العسكرية اليمنية مع دخول قرار اليمن حظر الملاحة البحرية على السعودية حيّز التنفيذ عصر الاثنين 20 تموز/ يوليو الجاري، تكريساً لمعادلة «الحصار بالحصار» التي أعلنتها صنعاء رداً على استمرار الحصار والعدوان.