ما وراء هرمز: الحوثيون يختبرون قدرة البحر الهندي المتوسط على الصمود
- تم النشر بواسطة ترجمة خاصة:أقلام مانع / لا ميديا
إيمانويل روسي - منصة «ديكود 39»*
ترجمة خاصة:أقلام عبدالملك مانع / لا ميديا -
لا يقتصر نشاط الحوثيين على فتح جبهة بحرية جديدة، بل إنهم، باستهدافهم للممرات البديلة التي أنشئت لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، يكشفون هشاشة قدرة منطقة البحر الأبيض المتوسط على توفير الطاقة، ما يطرح تحديات جديدة أمام واشنطن وأوروبا والأمن الإقليمي على حد سواء.
خلال معظم العام الماضي، عملت الحكومات وأسواق الطاقة وفق افتراض مشترك: إمكانية إدارة الاضطرابات البحرية في «الشرق الأوسط» من خلال التنويع؛ فإذا أصبح مضيق هرمز شديد الخطورة، يمكن زيادة تدفق النفط الخام السعودي غرباً عبر خط أنابيب الشرق والغرب إلى ينبُع قبل وصوله إلى الأسواق العالمية عبر البحر الأحمر.
إذا تعرض ممر مائي للضغط، فإن ممراً آخر سيمتص جزءاً من الصدمة. لم يكن هذا الأمر مؤكداً قط؛ ولكنه أصبح نموذج المرونة الذي يقوم عليه تخطيط الطاقة الإقليمي. يشير هجوم الحوثيين، يوم الخميس، على ناقلتي نفط سعوديتين، إلى أن هذا الافتراض بدأ يتلاشى، ما يضاعف فعلاً الأزمة البحرية في منطقة البحر الهندي المتوسط.
لماذا يهم الأمر؟
من خلال ضرب السفينتين «إنسيليا» و«ليلى»، بعد إعلان الحصار البحري على المملكة السعودية في وقت سابق من الأسبوع الماضي، والذي يمتد من باب المندب في جنوب البحر الأحمر، فإن الجماعة اليمنية قد فعلت أكثر من مجرد تصعيد الصراع.
لقد استهدفت إحدى الآليات الرئيسية المصممة للحفاظ على استمرار تدفق التجارة الإقليمية، رغم استمرار عدم الاستقرار. وقد أدركت الأسواق على الفور أهمية ذلك.
ارتفع سعر خام برنت فوق 99 دولاراً للبرميل لأول مرة منذ أواخر أيار/ مايو؛ ليس لأن الهجمات أدت إلى سحب كمية كبيرة من النفط من السوق، ولكن لأن التجار بدؤوا في تسعير احتمال أن يظل ممران رئيسيان للطاقة البحرية في «الشرق الأوسط» تحت ضغط متزامن.
التداعيات تتجاوز أسعار النفط بكثير؛ إذ يصبح توجيه السفن حول رأس الرجاء الصالح مرة أخرى أحد الخيارات القليلة الموثوقة للحفاظ على الربط بين أوروبا وآسيا، في الوقت الذي كانت فيه الحكومات وشركات الشحن تأمل بحذر أن يستقر البحر الأحمر تدريجياً بعد ما يقرب من عامين من هجمات الحوثيين.
بين أواخر العام 2023 ومنتصف العام 2025، استهدفت الجماعة مراراً وتكراراً الشحن التجاري، في إطار ما وصفته علناً بحملتها لدعم الفلسطينيين، عقب هجوم حماس «الإرهابي» على «إسرائيل» في 7 تشرين/ أكتوبر. ويُخشى الآن أن تُفسح تلك الفترة المجال لمرحلة جديدة قد تكون أكثر تعقيداً.
إن التوقيت ليس مصادفة على الإطلاق؛ فمع ازدياد الضغط الإيراني على الشحن عبر مضيق هرمز، اعتمدت المملكة السعودية بشكل متزايد على ينبُع، حيث يتم تحميل ما يقارب خمسة ملايين برميل من النفط الخام والمنتجات المكررة يومياً إلى الأسواق الآسيوية.
كان الهدف واضحاً: تقليل الاعتماد على مضيق هرمز، بنقل الصادرات عبر المملكة إلى البحر الأحمر. إلا أن هذه الاستراتيجية لا تزال تعتمد على المرور الآمن عبر باب المندب. وهذه الحلقة المحورية في سلسلة الإمداد هي تحديداً ما يسعى الحوثيون الآن للضغط عليه.
أجندة الحوثيين
لا تزال الحركة تُوصف بشكل روتيني بأنها مجرد وكيل لإيران. لا شك أن الدعم العسكري الذي قدمته طهران كان له دور محوري في تحولها إلى واحدة من أكثر المنظمات الفاعلة غير الحكومية قدرة في المنطقة. ومع ذلك، فإن هذا التعريف وحده لم يعد يفسر سلوك الحوثيين.
أظهرت الجماعة بشكل متزايد قدرتها على استغلال الأزمات الجيوسياسية الأوسع نطاقاً لتحقيق أهدافها الاستراتيجية، متحالفةً مع إيران، حيث تتلاقى المصالح، مع الحفاظ على أجندة سياسية مستقلة تتمحور حول مستقبل اليمن وشرعيتها الإقليمية. وفي هذه الحالة، تجمع هذه الأجندة بين الضغط العسكري، والإشارة الاستراتيجية، والنفوذ السياسي على الرياض.
يعكس الهجوم على السفن السعودية هذه الحسابات بدقة. فمن جهة، يعزز الضغط الإيراني على الولايات المتحدة بتوسيع نطاق التداعيات الاقتصادية والجيوسياسية للحرب، ومن جهة أخرى يوجّه رسالة مباشرة إلى السعودية مفادها أنه لا يمكن لأي بنية أمنية مستقبلية في البحر الأحمر، ولا لأي تسوية دائمة لليمن، أن تتجاوز الحوثيين بشكل واقعي. لقد أصبح تعطيل الملاحة البحرية أداة تفاوض.
هذا ما يجعل الوضع الراهن مختلفاً. لم يعد الحوثيون يهددون ممراً استراتيجياً واحداً، بل باتوا يتحدّون آليات الصمود المصممة للتعويض عن الاضطرابات في أماكن أخرى. لم يعد بالإمكان التعامل مع مضيق هرمز وباب المندب كملفين استراتيجيين منفصلين، حتى في أكثر عمليات التخطيط ذات الدوافع التجارية؛ فهما يشكلان بشكل متزايد جزءاً من منظومة الإكراه البحري نفسها، إذ يؤدي عدم الاستقرار في أحد الممرين إلى تفاقم الضعف في الآخر.
يبدو أن واشنطن باتت أكثر استعداداً لتبني هذا المنظور نفسه. ففي رده على الهجمات، حذّر الرئيس دونالد ترامب من أن أي هجوم حوثي مستقبلي سيؤدي إلى «عقاب عسكري كبير»، ليس فقط ضد الحركة اليمنية، بل ضد إيران نفسها أيضاً، واصفاً الحوثيين بأنهم «وكيل و/أو حليف» لطهران.
يحمل هذا البيان دلالات استراتيجية أوسع نطاقاً مما يوحي به التهديد المباشر. فبصرف النظر عن استقلالية الحوثيين العملياتية، يشير البيت الأبيض إلى استعداده للتعامل مع البحر الأحمر والخليج العربي كجزءين من مسرح عمليات استراتيجي واحد. ويكمن الخطر في أن التصعيد في أحد المجالين البحريين قد يُفضي سريعاً إلى عواقب عسكرية في المجال الآخر.
تواجه أوروبا تحدياً مختلفاً. فالاتحاد الأوروبي لديه بالفعل بعثة بحرية منتشرة في المنطقة. وقد أُنشئت عملية «أسبيدس» رداً على هجمات الحوثيين على السفن التجارية عقب السابع من تشرين الأول/أكتوبر، ما يعكس إدراكاً متزايداً في بروكسل بأن الأمن في البحر الأحمر أصبح مصلحة استراتيجية أوروبية مباشرة.
منذ البداية، تم تقديم العملية على أنها دفاعية بحتة: حماية حرية الملاحة بدلاً من شن عمليات هجومية ضد الحوثيين. وكان هذا التمييز ضرورياً من الناحية السياسية، للحفاظ على الدعم بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.
وقد برزت هذه المعضلة هذا الأسبوع من خلال تصريح الممثل الخاص للاتحاد الأوروبي لشؤون الخليج، لويجي دي مايو؛ إذ أدان الحصار الحوثي باعتباره «تهديداً مباشراً للاستقرار الإقليمي»، ووصف الهجوم على ناقلة النفط السعودية بأنه «غير مقبول» و«غير قانوني». وشدد دي مايو على ضرورة «ضمان حرية الملاحة» في كل من مضيق هرمز والبحر الأحمر. كما أكد مجدداً أن عملية «أسبيدس لا تزال ملتزمة التزاماً راسخاً بحماية حرية الملاحة، بما يتماشى مع ولايتها الدفاعية».
قد يتعرض هذا الشرط النهائي لضغوط متزايدة قريباً. إن مرافقة السفن التجارية عبر المياه المتنازع عليها أمر، وضمان مرورها عبر حصار مفروض بالصواريخ والطائرات المسيّرة وزوارق الهجوم السريع أمر آخر.
بحكم التعريف، لا يمكن أن يكون الحصار البحري متقطعاً؛ فهو يتطلب استمرارية العمليات، وردعاً ذا مصداقية، والقدرة المستمرة على إقناع مالكي السفن بأن المخاطر مستمرة وليست عرضية.
وكما لوحظ مع «إسرائيل»، قد يفتقر الحصار المفروض على السفن التي ترسو في الموانئ السعودية إلى الدقة. ومن المرجح أن يستهدف الحوثيون حركة الشحن بشكل غير متوقع، للحفاظ على أقصى قدر من النفوذ.
المعضلة: إذا نفذ الحوثيون تهديدهم، فقد تجد منظمة «أسبيدس» بيئتها العملياتية تتطور بشكل أسرع بكثير من التعريفات القانونية والسياسية التي تدعم ولايتها.
ستعمل القوات البحرية الأوروبية بشكل متزايد في المنطقة الرمادية بين حماية حرية الملاحة وضمانها بشكل فعال ضد التهديد المسلح.
ما نراقبه: يبقى السؤال مطروحاً حول ما إذا كان الحوثيون يمتلكون القدرة العسكرية اللازمة على مواصلة مثل هذه الحملة. فقد أدت العمليات الأمريكية السابقة إلى إضعاف جزء من قدرات الجماعة، في حين أن الدعم العسكري الإيراني نفسه قد يصبح أكثر تقييداً في ظل استمرار الضغوط الأمريكية و»الإسرائيلية».
في الوقت نفسه، تواصل سلطنة عُمان جهودها كوسيط لمنع الانهيار التام للتفاهم الهش الذي نشأ في السنوات الأخيرة بين الرياض والحوثيين. إلا أن التداعيات الاستراتيجية لهجوم الخميس بدأت تتضح بالفعل. فللمرة الأولى، لم يعد الأمر يقتصر على أمن الممر البحري فحسب، بل على مدى جدوى البدائل المُعدّة لاستيعاب أي اضطرابات مستقبلية.
خلاصة القول: قد لا تكون فاعلية الحصار بنفس أهمية قدرته على تغيير سلوك جميع الأطراف الأخرى. فإذا اضطرت الحكومات وشركات الشحن وشركات التأمين ومخططو القوات البحرية إلى إعادة النظر في مساراتها وحسابات المخاطر ومواقع القوات وقواعد الاشتباك، فسيكون الحوثيون قد حققوا هدفهم الاستراتيجي الرئيسي.
قد لا يكون هدفهم بالضرورة إغلاق باب المندب بالكامل، بل إثبات أن بنية المرونة التي تدعم الممرات البحرية الحيوية في منطقة البحر الأبيض المتوسط لم تعد أمراً مفروغاً منه.
«ديكود 39» (Decode39) موقع إخباري وتحليلي إيطالي يتبع مجلة «فورميكي» (Formiche)، ويوفر محتوى موجهاً باللغتين الإنجليزية والعربية.










المصدر ترجمة خاصة:أقلام مانع / لا ميديا