تحقيق: بشرى الغيلي / لا ميديا -
لم تكن طريقهم إلى القمة مفروشة بالضوء، بل عُبّدت تحت وهج كشافات شاحبة، وبطاريات طاقة شمسية استنزفت أثمانُها القليلة محاصيل الآباء قبل أوانها. في زوايا غرفٍ يغزوها انقطاع الكهرباء وتخنقها حرارة الصيف، كان هناك من يروّض الواقع القاسي بتسجيل الدروس بصوته، ومن يستمد العزيمة من تجاعيد أيدي والديه الخشنة، ومن تخوض معركة صامتة بين أعباء المنزل وطموح استثنائي. هؤلاء لم يقرأوا المنهج فحسب، بل أعادوا صياغة معنى الإرادة، ليثبتوا أن المعنى الحقيقي للإنجاز لا يعترف بالجغرافيا، بل يستوطن عقولاً ترفض الاستسلام.
في هذا التقرير تغوص صحيفة «لا» خلف واجهة الأرقام لتضعكم وجهاً لوجه أمام حكايات كفاحٍ تتنفس بين السطور، وتوثق نبض أوائل الجمهورية الذين قهروا المستحيل. لكن المفارقة هذا العام لم تكن في التفوق بحد ذاته، بل في معطياتٍ إحصائية غير مسبوقة وضعت أكثر من 200 طالب وطالبة في قوائم «الأوائل مكرر».
هذا «التضخم الرقمي» فتح باباً واسعاً لجدلٍ لم يهدأ؛ فبينما تقف وزارة التربية والتعليم مدافعةً عن مخرجاتها، معتبرةً هذا الازدحام ثمرةً لـ»الإنصاف الرقمي» وشفافية نظام (الأتمتة)، تتعالى في المقابل أصوات أكاديمية بامتعاضٍ شديد، محذرة من «تشوهات تقييمية» تُفقد التفوق بريقه الاستثنائي. امتعاضٌ يرى في الاعتماد الكلي على الأسئلة الموضوعية وتغييب الجانب المقالي، مساواةً ظالمة بين العقل المبدع وبين من أسعفه الحظ في تظليل الدوائر.. بين قدسية الكفاح الطلابي الذي لا يقبل التشكيك، ومشرط النقد الأكاديمي الذي يشرّح نظام الاختبارات، نضع بين أيديكم المشهد كاملاً.

صنعتُ منصتي الخاصة
في محافظة تعز حيث لم تكن الظروف الصعبة يوماً خياراً يمكن رفضه، بل كما تصفها الطالبة بشائر ماجد سعيد «واقعاً يجب ترويضه». وسط انقطاع دائم للكهرباء، لم تمتلك بشائر رفاهية المنصات التعليمية المدفوعة، لكنها ابتكرت منصتها الخاصة لتتوج بالترتيب الأول مكرر بنسبة 99.88٪ من مدرسة الشهيد سيف عبدالسلام بمديرية شرعب الرونة. تقول بشائر: «كنت أقوم بتلخيص الدروس بصوتي على هاتفي المحمول، وأستمع إليها أثناء انقطاع الكهرباء الطويل أو عند مساعدتي لوالدتي في أعمال المنزل».
وقبل الاختبارات، وحين شعرت بضغط نفسي هائل، اختارت الاستراحة، مؤكدة: «أدركت حينها أن الانهيار لا يخدم أحداً، وأن الاستراحة القصيرة هي خطوة للخلف من أجل قفزة أطول للأمام».
وعن طموحها لدراسة الطب البشري، تختم حديثها لصحيفة «لا» بالقول: «تعز علمتني أن الجراح لا تندمل بالأمنيات بل بالعمل.. أريد أن أثبت أن من عاش الحصار يمتلك القدرة الأكبر على منح الحياة».

العقل هو المحرك
في محافظة عمران، تؤمن الطالبة وئام محمد الديدي بأن «الموارد مجرد أدوات، لكن العقل هو المحرك». راهنت وئام على المخططات الذهنية لتصنع تفوقها وتحصد الترتيب الأول مكرر بنسبة 99.88٪ من مدرسة العلوم الحديثة. وفي ظل غياب الإنترنت السريع، لجأت للتعلم التبادلي الكلاسيكي مع زميلاتها، موضحة: «عندما تشرح معلومة لغيرك، فإنك تثبتها في عقلك بنسبة كبيرة».
أثبتت وئام لنفسها أن «المعنى الحقيقي للإنجاز يقع بين دفتي كتاب وعقل مستعد للفهم»، وهي تطمح اليوم لدراسة هندسة البرمجيات لتطوير تطبيقات تعليمية ذكية تعمل دون إنترنت، وتقول: «لتصل إلى كل طالب يمني في أبعد قرية، تماماً كما كنت أحتاج أنا في عمران».

الإشارة صوتي الأصدق
الطالبة رغد مختار الجريب، الحائزة على الترتيب الأول بنسبة 97.5٪ (فئة ذوي الاحتياجات الخاصة) من مدرسة المستقبل للصم وضعاف السمع، روت لصحيفة «لا» عبر لغة الإشارة تفاصيل قصة تفوقها الاستثنائية، واصفة إياها بصوتها الأصدق.
وأكدت رغد أن إنجازها هو ثمرة إيمان أسرتها التي لم ترَ في صممها عائقاً، وجهود كادر مدرستها.. مشيرة إلى أنها لم تعتبر الصمم نقصاً يوماً، بل نافذتها الخاصة لفهم العالم، حيث حولت الصمت الخارجي إلى طاقة هائلة من التركيز والإرادة.
وفي ظل شحة المصادر التعليمية والمنصات المترجمة إشارياً، واجهت رغد التحدي المضاعف بابتكار أسلوب يعتمد على الذاكرة البصرية وتحويل النصوص إلى صور وخرائط ذهنية، معتمدة على معلميها كقاموس يترجم تعقيدات المنهج لتصبح المذاكرة رحلة تحدٍ ممتعة. وتطمح رغد مستقبلاً لإكمال دراستها الجامعية في التربية الخاصة أو تصميم البرمجيات لابتكار مناهج رقمية بلغة الإشارة، ممهدة الطريق لمن بعدها لإثبات أنهم ليسوا فئة تنتظر الشفقة، بل عقول قادرة على الإبداع وبناء اليمن متى ما مُنحوا الثقة والرعاية العادلة.

«حِمية معلوماتية»
في زحمة الأزمات أدرك الطالب فهمي فؤاد الفقيه، الحاصل على الترتيب الأول مكرر بنسبة 99.88٪ من مدرسة المتفوقين بمحافظة ذمار، أن «المناعة النفسية تبدأ من التحكم فيما تسمح له بالدخول إلى رأسك».
اتخذ فهمي قراراً بما أسماه «الحمية المعلوماتية»، متجاهلاً العبارات المحبطة، يقول: «كنت أرد عليها داخلياً بصمت الإنجاز.. الحفظ وحده يسقط أمام أول موجة توتر، لكن الفهم يرسخ». كان يؤمن بأن المذاكرة عملية تفكيك وفهم، مردداً لنفسه: «إذا توقفنا عن التعليم بحجة الأوضاع، فنحن نساهم في إطالة أمد هذه الأوضاع». وأكد فهمي طموحه في دراسة الاقتصاد والعلوم السياسية لأن «أزماتنا في جذورها هي أزمات إدارة موارد وسوء تخطيط».

مذاكرة الفجر
خلف هدوء الضواحي في سنحان بمحافظة صنعاء، تسلح الطالب خالد محمد العياضي بما أسماه «استراتيجية مذاكرة الفجر»، ليحصد الترتيب الأول مكرر بنسبة 99.88٪ من مدرسة القيم. يقول خالد: «في هذا الوقت، يكون الذهن في أعلى درجات الصفاء»، لكن التضحية الأكبر كانت من والده الذي باع جزءاً من محصول أرضهم ليشتري بطارية طاقة شمسية صغيرة، عن ذلك يقول خالد بوفاء: «تلك البطارية لم تكن تضيء غرفتي فقط، بل كانت تضيء داخلي التزاماً بألا أخذل هذا الرجل أبداً».
ومن وحي معاناة قريته، يتطلع خالد لدراسة هندسة الطاقة المتجددة ليساهم في «توفير بدائل طاقة نظيفة ومستدامة تساعد المزارعين وأهل القرى على الاستمرار في الحياة والإنتاج».

وثيقة استقلالكِ
«المعركة الصامتة كانت في الموازنة»، هكذا تصف الطالبة رغد عبدالرحمن الكمالي رحلتها في التوفيق بين مسؤوليات المنزل ودراستها.
ابتكرت رغد أسلوب «التحليل العكسي» لتذاكر بذكاء وليس بجهد مستنزف، فحصدت الترتيب الأول مكرر بنسبة 99.88٪ من مدرسة الشهيد القردعي بأمانة العاصمة. توجه رغد رسالتها لكل فتاة قائلة: «شهادتكِ هي وثيقة استقلالك وسلاحك الأمضى، لا تسمحي لضيق الحال أو نظرة المجتمع أن تقنعكِ بأن طموحكِ ترف».
وتضيف محذرة: «الأحلام التي نتنازل عنها اليوم، ستتحول إلى قيود نخنق بها أنفسنا غداً»، وها هي اليوم تجهز نفسها لدراسة الطب أو الذكاء الاصطناعي مراهنة على جيل تقوده «المرأة اليمنية التي تحملت العبء الأكبر من هذه الأزمات».

يدا والدي الخشنتان
في محافظة حجة يرى الطالب إبراهيم محمد القاضي أن «التضاريس والحرارة ونقص الخدمات تجعل مجرد الذهاب للمدرسة إنجازاً». ومن خلال نسخ الفصول الهامة يدوياً لعدم قدرته على شراء الكتب، حصد إبراهيم الترتيب الثاني مكرر بنسبة 99.81٪ من مدرسة الشهيد الحمدي. وعن معاناته في المذاكرة تحت ضوء كشاف شحن صغير، يقول: «ما كان يمنعني من الاستسلام هو رؤيتي ليدي والدي الخشنتين وتعب والدتي».
ويضيف متأثراً: «كنت أقول لنفسي تعبي سينتهي بمجرد خروجي من قاعة الاختبار، لكن تعبهم سيستمر إن لم أصنع لهم مخرجاً من خلال تفوقي».
يطمح إبراهيم لدراسة الصيدلة السريرية أو الصحة العامة، مؤكداً أنه لا يريد الاكتفاء بوصف الدواء، بل الإسهام «بتوطين الرعاية الصحية في المناطق النائية التي ينساها الجميع إلا وقت المعاناة».

فجوة معرفية كارثية
من زاوية أكاديمية وتقييمية تضع النقاط على الحروف، حذر الدكتور عبدالسلام محمد خاقو، رئيس اللجنة الأكاديمية بكلية التربية في جامعة صنعاء، من خطورة الوضع التعليمي الحالي.
وأضاف في تصريح خاص لصحيفة «لا» أنه من غير المقبول أن نعيش عصر التطور الرقمي بينما تعكس مخرجات الثانوية العامة «فجوة معرفية كارثية وجهلاً بأساسيات التعليم».
وشدد على الحاجة الماسة إلى «خطة عمل شاملة لتطوير المناهج وتحديث أدوات التقييم والاختبارات بما يواكب العصر»، داعياً إلى دعم الطلاب بالإمكانيات التقنية الحديثة، وفرض «رقابة صارمة وشفافة عبر ربط قاعات الاختبارات بمنظومة كاميرات مراقبة مركزية ذكية» للقضاء على الاختلالات والغش.
مختتماً حديثه بتأكيد حاسم على أن التطور التقني يبدأ من «بناء طالب يمتلك مهارات وعقلاً حقيقيا، لا طالب يحمل شهادة مفرغة من محتواها العلمي».

التفوق المشرّف
في سياق الاحتفاء الرسمي بهذا الكفاح الاستثنائي، أكد وزير التربية والتعليم، حسن عبدالله الصعدي، في تصريحه لصحيفة «لا»، أن ما تحقق هو تتويج لصمود الأجيال، مبيناً أن هذا «التفوق المشرّف» يثبت أن «إرادة الطالب اليمني لا تُقهر».
وتطرق الوزير إلى حجم التحديات اليومية التي واجهت الأوائل قائلاً: «لقد واجهتم خلال مسيرتكم التعليمية صعوبات قاسية وتحديات استثنائية، بدءاً من شح الإمكانات ونقص الكتاب المدرسي، مروراً بانقطاع الكهرباء وضعف البنية التحتية جراء استمرار الحصار».
وأشاد الصعدي بقدرة الطلاب الفذة على تحويل قسوة هذه المعاناة إلى «دافع حقيقي لصنع هذا النجاح الباهر». مختتماً حديثه برسالة فخر واعتزاز، واصفاً المتفوقين بأنهم «فخر اليمن ورهانه الرابح لصناعة الغد. بعقولكم وعزيمتكم تُبنى الأوطان وتتحطم كل المستحيلات».

التشوهات الأكاديمية
وفي قراءة نقدية تحليلية تضع معايير التقييم تحت المجهر، اعتبر الأستاذ المساعد في الإدارة والتخطيط التربوي الدكتور عبدالجبار الطيب أن وجود أكثر من 200 طالب في قوائم الأوائل يضعنا أمام تساؤلات منهجية وجوهرية.
وأكد في حديثه لصحيفة «لا» أن هذا «التضخم الرقمي المبالغ فيه» يُفقد التفوق قيمته الاستثنائية، مساوياً بين الطالب المبدع ومن حالفه الحظ.
وأرجع الطيب السبب الرئيسي لهذه «التشوهات الأكاديمية» إلى الاعتماد الكلي على نظام «الأتمتة» وتغييب الجانب التحريري، متسائلاً: «كيف لنا أن نقيس عمق فهم الطالب، وثقافته، ومخزونه اللغوي إذا كنا لا نمنحه مساحة للتعبير بقلمه؟».
وكشف عن الكارثة الحقيقية التي تتجلى يومياً في أروقة الجامعات عبر طلاب يحملون معدلات تتجاوز 95٪، لكنهم يعجزون عن صياغة فقرة متماسكة ويقعون في «كوارث وأخطاء إملائية بديهية تعكس هشاشة التأسيس».
وحذر الطيب من استمرار هذا النظام الأحادي الذي يخرّج «جيلاً مُقولباً فاقداً لمهارة التفكير النقدي»، مشدداً على ضرورة إعادة التوازن بدمج الأسئلة المقالية لضمان «الفرز الحقيقي للعقول المبدعة».

الإنصاف الرقمي.. من ينصف من؟
 وفي ردٍ يوضح وجهة نظر قطاع المناهج والتوجيه بوزارة التربية بصنعاء حول الانتقادات الأكاديمية لتزايد أعداد الأوائل، يرى المعنيون في لجان الاختبارات أن نظام الأتمتة جاء ليحقق الإنصاف الرقمي والعدالة المطلقة، متجاوزاً المزاجية والأخطاء البشرية التي كانت تشوب التصحيح التقليدي.
وتؤكد مصادر لـ»لا» أن هذا العدد في قوائم الأوائل ليس تضخماً وهمياً، بل هو «انعكاس لشفافية النظام» الذي يحسب للطالب حقه في أجزاء الدرجة بدقة متناهية، ما يخلق حالات تعادل (مكرر) في المراتب الأولى. ويشدد القائمون على النظام أن الأتمتة، كتوجه عالمي، تعتمد على بنوك أسئلة تقيس مختلف مستويات الفهم، مؤكدين أن التكنولوجيا أوجدت «مسطرة معيارية واحدة» تحمي جهد الطالب من أي هدر، وتعطي كل ذي حق حقه دون تدخل بشري.

المؤشرات الرسمية للنتائج
في قراءة للمؤشرات الإحصائية، واستناداً إلى البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة التربية والتعليم، بلغ إجمالي عدد الطلاب المتقدمين لاختبارات الثانوية العامة (للقسمين العلمي والأدبي) للعام الدراسي 2025/2026م نحو 219,335 طالباً وطالبة، حضر منهم 210,541 طالباً وطالبة، في حين غاب 8,794 آخرون، وبلغت نسبة النجاح 88.12٪.
وفي سابقة إحصائية لافتة، أظهرت الكشوفات الرسمية المعتمدة صعود أكثر من 200 طالب وطالبة إلى منصات التتويج ضمن قوائم «أوائل الجمهورية». وقد أرجعت التصريحات الرسمية للوزارة هذا التزاحم غير المسبوق وحالات «الترتيب المكرر» إلى اعتماد نظام «الأتمتة» والتصحيح الإلكتروني المركزي، والذي يرتكز على احتساب أدق أجزاء الدرجة (الأعشار) بشفافية تامة دون تدخل بشري، مما خلق تنافساً رقمياً دقيقاً وضع مئات الطلاب في مراتب الصدارة.
قد يستمر السجال الأكاديمي والرسمي حول جدوى «الأتمتة» وتداعيات التضخم الرقمي في قوائم الأوائل، وتتعدد الآراء حول آليات قياس الذكاء، لكن الرد الأبلغ والأكثر إنصافاً يكمن في تفاصيل القصص التي وردت في التقرير.
فمهما اختلفت معايير التقييم أو تبدلت آليات الاختبارات، فإن الجهد المنحوت في الصخر وسهر الليالي تحت الأضواء الشاحبة يظل حقيقةً ناصعة لا تقبل التشكيك، ولا يمكن لأي خللٍ في النظام أن يُصادر عظمة هذا الكفاح أو يُنقص من قدر صُناعه.