عادل بشر / لا ميديا -
كشفت صحيفة أمريكية أن التحركات السعودية الأخيرة في المحافظات الجنوبية والشرقية المحتلة، لم تعد تقتصر على الانتشار العسكري، وإنما امتدت إلى ما وصفته بـ«محاولات إعادة تشكيل الجغرافيا» تمهيداً لإحكام السيطرة على الموارد، وصولاً إلى طلب رسمي من شركة (Google) إزالة مناطق يمنية حدودية من الخرائط الرقمية، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً بشأن الأبعاد السيادية والقانونية لهذه الإجراءات.
ونشرت صحيفة «ذا كريدل» الأمريكية تقريراً موسعاً بعنوان «من الخراخير إلى الربع الخالي.. السعودية توسّع نفوذها وتسيطر على ثروات اليمن»، أوضحت فيه أن مجلس الوزراء السعودي أقر تفويضاً لتوقيع مذكرة تعاون جيولوجي مع الجانب اليمني، في خطوة تبدو تقنية في ظاهرها؛ لكنها تحمل أبعاداً استراتيجية تتصل بالتحكم في خرائط الثروات الطبيعية. فالجيولوجيا -كما يشير التقرير- ليست مجرد علم للأرض، بل مدخل لرسم خرائط النفط والغاز والمعادن النادرة، ومن يملك البيانات اليوم يملك مفاتيح القرار الاقتصادي غداً.
وأفادت الصحيفة بأن هذا المسار تزامن مع تطورات ميدانية في منطقة الخراخير، الواقعة عند تخوم الربع الخالي، حيث شهدت المنطقة مؤخراً اشتباكات بين ما تسمى «قوات درع الوطن» الموالية للرياض، وقبائل المناهيل الحضرمية التي تعتبر المنطقة امتداداً تقليدياً لأراضيها. ووفقاً للتقرير، تطور التوتر سريعاً إلى مواجهات مسلحة انتهت بانسحاب عناصر من القوات المدعومة سعودياً من بعض المواقع، مع سقوط جرحى من الطرفين، في ما اعتُبر أول اختبار ميداني لمرحلة إعادة الانتشار السعودي.
التقرير أشار كذلك إلى أن شركة (Google) بدأت بالفعل إجراءات مسح وحذف لبعض القرى الحدودية في الخراخير من خرائط «غوغل ماب»، بناءً على طلب سعودي، بالتوازي مع تحركات عسكرية سعودية وتعزيزات ميدانية، ما دفع ناشطين يمنيين إلى اتهام الرياض بمحاولة فرض أمر واقع جغرافي يسبق أي تسوية سياسية أو قانونية. واعتبروا أن إزالة القرى من الخرائط الرقمية تمثل تمهيداً لضم فعلي غير معلن، خاصة في ظل تواطؤ حكومة الفنادق.
في السياق نفسه، تحدث التقرير عن مقاطع فيديو مصورة أظهرت نقل شحنات نفط من المنطقة عبر عناصر ما تسمى «درع الوطن»، الأمر الذي أثار غضباً محلياً واسعاً، وأجبر الرياض على إصدار أوامر بالانسحاب الفوري. وأسفر عن الحدث فصل 300 جندي واعتقال آخرين ممن كشفوا عمليات النقل من خزانات ضخمة في الصحراء، في محاولة لاحتواء تداعيات الفضيحة وإعادة ضبط المشهد.
وتقع الخراخير على المثلث الحدودي بين اليمن وسلطنة عُمان والسعودية، جنوب شرق نجران وبالقرب من شرورة. وتاريخياً كانت المنطقة ضمن نطاق قبائل المهرة والمناهيل الحضرمية.
ووفق التقرير، فإن المناطق الممتدة من الخراخير والوديعة، مروراً بخور ضحية وخور بن حمودة وصولاً إلى المثلث اليمني العماني السعودي، موثقة في خرائط قديمة باعتبارها أراضي مهرية تاريخياً. ومع شن التحالف بقيادة السعودية عدوانه على اليمن مطلع 2015، تحولت الخراخير إلى منطقة عسكرية مغلقة، وذلك عندما أزالت السعودية الأعمدة الحدودية الإسمنتية التقليدية ونقلتها حوالى 60 كيلومتراً في عمق حضرموت، ما أتاح للسعودية السيطرة على مساحات واسعة تُقدّر بعشرات آلاف الكيلومترات المربعة. وحتى العام 2019 كان عدد سكان المنطقة يقارب 12 ألف نسمة، قبل أن تُخلى بالكامل وتُهدم مبانيها وتتحول إلى مركز لوجستي لمشاريع نفطية.
وتنقل الصحيفة عن ناشطين محليين أن ما يجري في الخراخير هو امتداد لصراع طويل على مناطق غنية بالنفط، متهمين الاحتلال السعودي بدعم تشكيلات قبلية في مواجهة أخرى، بما يؤدي إلى تفكيك النسيج الاجتماعي وتحويل النزاع إلى صراع محلي يصرف الأنظار عن مسألة السيطرة على الموارد.
وأفاد التقرير بأن المملكة لم تكتفِ بما استولت عليه سابقاً في الخراخير والوديعة وشرورة وعروق الشيبة، وإنما تتوسع الآن نحو حضرموت وشبوة والمهرة، مستخدمة عناوين سياسية مثل الحكم الذاتي ومخرجات الحوار لإعادة رسم الجغرافيا الجنوبية بما يخدم مشاريعها الاستراتيجية.
وتعيد الصحيفة الأمريكية جذور هذه التحركات إلى تسعينيات القرن الماضي، حين طرحت السعودية مشروع مد خط أنابيب نفطي من أراضيها إلى الخراخير وعبر محافظة المهرة إلى بحر العرب. ورغم تعثر المشروع عام 1994، إلا أنه عاد إلى الواجهة في السنوات الأخيرة، خصوصاً مع تصاعد المخاوف من إغلاق مضيق هرمز، الشريان الحيوي لصادرات النفط الخليجية، جراء التوترات الإقليمية، ما يجعل إيجاد منفذ بديل لتصدير النفط أولوية استراتيجية.
ووفقاً لـ«ذا كريدل» ففي كانون الأول/ ديسمبر 2017، بدأت القوات السعودية أعمال حفر في منطقة «طوف شحر» الحدودية، قبل أن تتدخل قبائل المهرة وتطرد الآليات العسكرية، مؤكدة استمرار تواجدها في المنطقة الواقعة على بعد أكثر من 350 كيلومتراً من مركز محافظة المهرة. كما تشير تحليلات جيولوجية أوردها التقرير إلى وجود مخزون نفطي كبير يمتد من الخراخير إلى صحراء ثمود، مع حديث عن آبار حُفرت عام 2000 قبل أن تتدخل السعودية لتعطيل المشروع مقابل دفع رواتب الجيش اليمني، ولاحقاً بدأت الرياض عمليات الاستحواذ على المناطق النفطية المهرية والمناهيلية وإخلائها من السكان، مع وعود بالمال والتجنيس لإتمام السيطرة على المنطقة.
وتخلص الصحيفة الأمريكية إلى أن ما يجري اليوم ليس تحركاً طارئاً، بل امتداد لسياسة «الزحف التدريجي الصامت»، التي بدأت منذ نحو 40 سنة، واستمرت بعد اتفاقية ترسيم الحدود عام 2000، ولا تزال تقضم المزيد من الأراضي ضمن الامتداد نفسه، مستفيدة من وضع جنوب اليمن كمنطقة مستباحة.
ومن جيزان ونجران وعسير مروراً بالوديعة وشرورة وصولاً إلى الربع الخالي، ترى الصحيفة أن السعودية تمضي في إنشاء بنية تحتية من مطارات ومحطات تنقيب. ومن الخراخير تعيد إحياء مشروع مد أنابيب النفط إلى بحر العرب، وإقامة محطة ضخمة تمتد عبر أكثر من ثلثي الأراضي اليمنية، ليصبح هذا الامتداد الاستراتيجي ممراً للسيطرة على المناطق الغنية بالنفط والمعادن وامتلاك نقاط القوة الجغرافية، في إطار إعادة رسم خارطة السيطرة والنفوذ.