محمد حسن سويدان - موقع المهد (The cradle)
ترجمة خاصة: أقلام عبدالملك مانع / لا ميديا -
كان «طوفان الأقصى» ضربة استباقية تهدف إلى كسر المشروع الأمريكي الصهيوني في هذه المنطقة»، كما قال إحسان عطايا، مسؤول في حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية، متحدثًا إلى موقع «ذا كريدل» في 28 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.حتى وقت قريب، كان من الممكن تحليل التطورات الإقليمية في غرب آسيا من خلال الأطر القديمة للصراعات المعزولة، أو التنافسات الثنائية، أو المناوشات بالوكالة. لم يعد الأمر كذلك.
شكّلت عملية «طوفان الأقصى» في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 شرخاً استراتيجياً أعاد صياغة قواعد الردع والشرعية والاستخدام المقبول للقوة. ومنذ ذلك اليوم، تحوّلت منطقة غرب آسيا إلى ساحة معركة واحدة شديدة الترابط، حيث تتلاشى الحدود وتتداخل الجبهات، ولم تعد الأزمات تتكشف بمعزل عن بعضها.
كل شيء منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول يسير ضمن معادلة استراتيجية جديدة. سارعت القوى الكبرى إلى تعديل أولوياتها، وأعاد الحلفاء والخصوم رسم خطوطهم، وبدأت الترتيبات المألوفة في التآكل.
تآكلت الضمانات المعتادة؛ الغطاء الدبلوماسي، وصمامات الضغط الاقتصادي، وحتى الردع العسكري. لم تعد المنطقة مجرد فسيفساء من بؤر توتر منفصلة، بل أصبحت نظامًا متقلبًا حيث يمكن لأي شرارة -حادث حدودي، أو مناورة تجارية، أو تحول دبلوماسي- أن تُشعل سلسلة من ردود الفعل. ما نشهده هو إعادة تشكيل ميزان القوى في المنطقة بشكل فعلي، في الوقت الحقيقي.

أربعة محاور، لا هيمنة
يكمن جوهر هذا التحول في ظهور أربعة مراكز قوة متميزة: إيران، وتركيا، والسعودية، وكيان الاحتلال «الإسرائيلي». يتمتع كل منها بنفوذ واسع في مجالات متعددة، لكن لم يتمكن أي منها من تحويل هذا النفوذ إلى هيمنة مطلقة. وبدلاً من ذلك، تتأرجح المنطقة بين أربعة محاور قوى، يشكل كل منها التحالفات والصراعات والروايات.
تمتلك إيران والسعودية موارد طاقة تمكّنهما من تجاوز حدود غرب آسيا. كما تحظى إيران بولاء السكان الشيعة، وتحافظ على شراكات طويلة الأمد مع حركات المقاومة.
تُعدّ تركيا وإيران دولتين كبيرتين مكتظتين بالسكان، لهما جذور تاريخية إمبراطورية عميقة، وموقع جغرافي استراتيجي، وجيوش واسعة. كما تمتلك السعودية -وإلى حدٍّ أقل تركيا- قوة ناعمة كبيرة، متجذرة في شرعية دينية وثقافية. أما «إسرائيل»، من جانبها، فلا تزال رائدة عسكرياً وتكنولوجياً، مدعومة بعلاقة خاصة مع واشنطن، وبامتلاكها ترسانة نووية غير مؤكدة.
مع ذلك، لا تملك أي من هذه القوى زمام الأمور بالكامل. فقد حال صعودها المتزامن دون ظهور قوة مهيمنة إقليمياً. وبدلاً من ذلك، تراقب هذه القوى تقدم بعضها البعض في توازن غير مستقر تشكله عوامل التاريخ والأيديولوجيا والطموح.
لا تعمل هذه المحاور الأربعة كتحالفات رسمية، بل هي مناطق نفوذ ديناميكية تُشكّل كيفية اصطفاف الدول والحركات، وحتى الأسواق. المهم ليس العضوية الثابتة، بل قوة التأثير -القدرة على فرض القرارات، وتوفير الحماية، وفرض التكاليف، أو صياغة الروايات. وفي أعقاب أحداث 7 أكتوبر المضطربة، ازداد هذا التأثير قوةً.
توجد هذه البنية لأن أياً من هذه الجهات الفاعلة لا يتمتع بميزة حاسمة، كما أنها لا تحظى جميعها بالقبول نفسه في المنطقة. فالنفوذ وحده لا يكفي؛ بل يجب أن تكون القوة مستعدة للتحرك، وأن يكون الآخرون مستعدين لقبول قيادتها.
لم تتمكن أي دولة في تاريخ غرب آسيا الحديث من الحفاظ على هذه السمات الثلاث مجتمعةً لفترة كافية لتصبح قوة مهيمنة، بل إنها تسعى جاهدةً لتأمين نفوذها أو منع منافسيها من الهيمنة. وتشتعل هذه المنافسات خلال فترات الاضطرابات كحرب الخليج، وغزو العراق عام 2003، والانتفاضات العربية، والآن، الانقسام الذي أعقب عملية «طوفان الأقصى».
تدور معظم دول المنطقة الآن حول أحد هذه المحاور الأربعة. وتقود الرياض العديد من الدول العربية المطلة على الخليج العربي، باستثناء قطر والإمارات. أما أبوظبي، العضو الرئيسي في «محور التطبيع»، فقد مالت بطبيعة الحال نحو المعسكر «الإسرائيلي». وتنسجم حركات المقاومة مع إيران.
تميل قطر نحو تركيا، وهي علاقة تقوم على دعمهما المشترك للحركات المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين في المنطقة. أما مصر، التي كانت قوة عظمى في السابق، فقد خضعت إلى حد كبير للنفوذ السعودي.

المعركة من أجل جنوب اليمن هي مناورة نفوذ خليجية
لطالما نُظر إلى التنافس (السعودي -الإماراتي) على أنه تنافس داخل الدائرة الداخلية للخليج، بين شريكين بتكتيكات متباينة، لا برؤى متضاربة. إلا أن هذا التصور لم يعد قائماً. فقد أعاد تطبيع العلاقات الإماراتية مع «تل أبيب» صياغة صورة أبوظبي كداعم للاندماج الإقليمي «الإسرائيلي»، لا كمنافس للرياض فحسب، بل كقناة للتوسع «الإسرائيلي».
أدى هذا التغيير في التحالف إلى زيادة حساسية السعودية. فبينما قد تتداخل الرياض مع «إسرائيل» تكتيكياً، إلا أنها لا تقبل بـ»تل أبيب» كطرفٍ فاعلٍ استراتيجي. لا يكمن القلق في العلاقات الإماراتية -«الإسرائيلية» بحد ذاتها، بل في عمقها الوظيفي؛ أي اندماج رأس المال الإماراتي والخدمات اللوجستية مع الخبرة الأمنية «الإسرائيلية» وشبكاتها العالمية. وتخشى الرياض أن يؤدي هذا المزيج إلى توسيع نفوذها في محيطها الدبلوماسي.
يتفاقم هذا الوضع بشكل خاص في جنوب اليمن، حيث تُهدد طموحات أبوظبي بمنح «تل أبيب» وجوداً على الجبهة الجنوبية للسعودية. وتنظر الرياض إلى هذا الأمر لا باعتباره تنافساً إقليمياً، بل تهديداً مباشراً لأمنها القومي.
الموقف السعودي واضح: التداخل التكتيكي مع «إسرائيل» مقبول إلى حد ما، لكن وجود محور (إماراتي -«إسرائيلي») داخل الخليج خط أحمر. لقد تجاوز هذا الأمر حدود التنافس الخليجي، وأصبح الآن صراعاً بين رؤيتين إقليميتين متباينتين: إحداهما تسعى لاحتواء التوسع «الإسرائيلي»، والأخرى لتمكينه من ترسيخ وجوده.
مشروع «تل أبيب» الإقليمي يهدد الصديق والعدو على حد سواء
لعقود، حذر الأمين العام الراحل لحزب الله، السيد حسن نصر الله، من أن إضعاف محور المقاومة سيعرض في نهاية المطاف كل دولة في المنطقة للخطر، بما في ذلك الدول المتحالفة مع واشنطن. وفي خطاب ألقاه عام 2013، صرح نصر الله بما يلي: «إذا سقطت سوريا، فستُفقد فلسطين، ومعها ستُفقد المقاومة في غزة والضفة الغربية والقدس. وإذا سقطت سوريا في يد الولايات المتحدة وإسرائيل والتكفيريين، فستدخل منطقتنا حقبة مظلمة ووحشية. هذا هو تقييمنا».
بعد عقد من الزمن، يؤكد سلوك «تل أبيب» الإقليمي صحة ذلك التحذير. لم تعد «إسرائيل» تحصر تحركاتها في جبهة واحدة، بل تتحرك عبر غزة ولبنان وسوريا والعراق واليمن والسودان والصومال وليبيا وإيران بتنسيق تام، متعاملةً مع المنطقة كساحة معركة موحدة.
لقد أوضحت الأحداث الأخيرة -النكسات التي لحقت بالمقاومة، وتآكل الوضع في سوريا، وتوسع العمليات «الإسرائيلية»- أن «تل أبيب» لا تحترم أي حدود، ولا حتى حدود الحكومات الصديقة.
بالنسبة لإيران، التهديد مباشر ووجودي. يُصرّح المسؤولون «الإسرائيليون» باستمرار أن تفكيك الجمهورية الإسلامية هو هدفهم الاستراتيجي. وقد سعوا لتحقيق هذا الهدف من خلال الاغتيالات والتخريب و«الثورات الملونة» والهجمات بالوكالة، والآن الحرب المفتوحة.
بالنسبة لتركيا، يكمن التهديد في بُعده الاستراتيجي. إذ تتحدى «إسرائيل» نفوذ أنقرة في سوريا وشرق المتوسط، ساعيةً إلى إنشاء ممرات تجارية بديلة تتجاهل الجغرافيا التركية. وقد أصبحت سوريا، على وجه الخصوص، ساحةً تتصادم فيها حرية العمل «الإسرائيلية» مع أولويات الأمن التركي.
بالنسبة للسعودية، يكمن القلق في البنية. فمحاولة «تل أبيب» إعادة صياغة القواعد الإقليمية تهدد استقلال الرياض وقيادتها. أما الخطر الأكبر فيكمن في البنية الإقليمية الناشئة، وهي نظام مصمم لترسيخ الهيمنة «الإسرائيلية» مع تهميش القوى العربية وإخضاعها لأدوار ثانوية.
منذ 7 أكتوبر، وسّعت «تل أبيب» نطاق عملياتها لتشمل الضربات الاستباقية، والحملات متعددة الجبهات، وتكثيف الردع. وقد أدى ذلك إلى زيادة الشعور بالتهديد لدى جميع القوى الكبرى.
لا يعني ذلك تشكيل تحالف جديد مناهض لـ»إسرائيل»، ولكنه يعني أن كل طرف -باستثناء إيران التي تعتبر «إسرائيل» عدواً لدوداً- ينظر الآن إلى التوسع «الإسرائيلي» على أنه قيد على مساحته الاستراتيجية.
إن ما يلوح في الأفق أكثر من الصراع المفتوح هو التحول الاستراتيجي الذي قد يسمح لجهة فاعلة واحدة بإعادة تشكيل قواعد الاشتباك للمنطقة بأكملها.