تقرير / لا ميديا -
من قلب الركام، ومن تحت الدخان المتصاعد من البيوت التي كانت يومًا تملأها ضحكات الأطفال، تقاوم غزة بجراحها المفتوحة، وصبر شعبها الذي صار أقدم من الحجارة، وأقسى من الحديد.
غزة، لم تسقط رغم كل شيء، ولا تزال تنزف بصبر مهيب، رغم أن المجزرة مستمرة والعالم يغمض عينيه نفاقا وتواطؤًا.
وفي آخر المستجدات، خلال 12 ساعة فقط، أمس، استشهد 92 فلسطينيًا بنيران قوات الاحتلال، بينهم 56 من طالبي المساعدات الغذائية، ليرتفع عدد شهداء «لقمة العيش» إلى 1,487 شهيدًا وأكثر من 10,578 مصابًا. وفي الساعات الأربع والعشرين الأخيرة، ارتقى 6 مدنيين جراء المجاعة، ليصل عدد ضحايا التجويع إلى 175 شهيدًا، بينهم 93 طفلًا.

أبو عبيدة: القسام لا تتعمّد تجويع الأسرى
من جانبه، أعلن الناطق العسكري باسم كتائب القسام، أبو عبيدة، أن الجناح العسكري لحركة حماس مستعد للتعامل بإيجابية والتجاوب مع أيّ طلبٍ للصليب الأحمر بإدخال أطعمةٍ وأدويةٍ لأسرى العدو الصهيوني.
وقال أبو عبيدة في بيان مقتضب: «نشترط لقبول ذلك فتح الممرات الإنسانية بشكلٍ طبيعيٍ ودائمٍ لمرور الغذاء والدواء لعموم أبناء شعبنا في كل مناطق قطاع غزة، ووقف الطلعات الجوية للعدو بكل أشكالها في أوقات تسليم الطرود للأسرى».
وأكد أبو عبيدة أن كتائب القسام لا تتعمد تجويع الأسرى، «لكنهم يأكلون مما يأكل منه مجاهدونا وعموم أبناء شعبنا، ولن يحصلوا على امتيازٍ خاص في ظل جريمة التجويع والحصار».

أرقام من دم
في اليوم الـ667 لعدوان الإبادة التي يشنها العدو الصهيوني على قطاع غزة، ارتفعت حصيلة الشهداء إلى 60,839 شهيدًا، فيما أصيب 149,588 فلسطينيًا بجراح متفاوتة، ولا يزال أكثر من 12 ألف شخص مفقودا تحت الأنقاض، منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023. وتضمنت الإحصائية الرسمية 290 شهيدًا إضافيًا جرى توثيق بياناتهم مؤخرًا من قبل اللجنة المختصة.
وتتواصل المجازر المخيفة بحق أكثر من مليوني فلسطيني، يعانون من الحصار والموت البطيء، سواء تحت أنقاض منازلهم، أو في طوابير انتظار المساعدات، أو داخل زنازين الموت الصهيوني. وحدها غزة تُقاتل... بالجوع، بالوجع، بالدم.
ومنذ استئناف العدوان الصهيوني في 18 آذار/ مارس 2025، أضاف الاحتلال إلى سجله الدموي 9,350 شهيدًا، و37,547 إصابة جديدة، في مؤشر على اتساع رقعة الموت وصمت العالم عن المأساة الأكبر في التاريخ الحديث.

انتصارات كاذبة
رغم استعراض القوة الصهيونية العدوانية الغاشمة في غزة ولبنان واليمن وإيران وسورية، إلا أن الأصوات تتعالى داخل المؤسسة الأمنية الصهيونية مؤكدة أن العدو الصهيوني لا ينجح ولا ينتصر.
 وفي مقال نشره أمس اللواء المتقاعد عاموس يدلين، حذّر من «كارثة استراتيجية» تلوح في الأفق، قائلًا: «إسرائيل، رغم الإنجازات العسكرية، لا تبدو كدولة منتصرة، بل منهكة، معزولة، غارقة في حرب بلا هدف... شرعيتها الدولية انهارت، وترامب نفسه بدأ يضيق ذرعًا بها».
التوترات تصاعدت مؤخرًا عقب ضربة قوية وجهتها القسام للعدو الصهيوني بنشر مقطع فيديو لأحد الأسرى الصهاينة يشتكي الجوع، مما فجّر غضب الشارع داخل الاحتلال.

الاحتلال ينتحر
بينما ترتقي أرواح الغزيين شهداء تحت القصف والجوع، تتهاوى أرواح جنود الاحتلال إلى سحيق الجحيم وهم يزهقون أرواحهم بأنفسهم بعد عودتهم من ساحة الإبادة في غزة.
ونقلت هيئة البث التابعة للعدو الصهيوني، أمس، عن تحقيقات داخلية في قوات الاحتلال، أن تصاعد معدلات الانتحار بين جنودها يرتبط بشكل مباشر بالحرب المستمرة على قطاع غزة. لكن ما وصفته التقارير بـ»الضغوط النفسية والتجارب الصادمة والإرهاق الميداني»، ليس سوى ارتداد طبيعي لما اقترفته أيديهم من جرائم إبادة بحق المدنيين العزل. إنهم لا ينتحرون فرارًا من المعركة فحسب، بل يسقطون تحت وطأة اللعنة الأخلاقية والإنسانية التي تلاحقهم... لعنة الأطفال الذين دفنوا أحياء، والأمهات اللواتي بكين بلا قبور، والمآذن التي خمد صوتها تحت القصف. إنها ضريبة الدم الفلسطيني التي لا تُمحى، ولا تُغتفر.

شعوب العالم تهتف لفلسطين
على الطرف الأقصى من الكرة الأرضية، وتحديدًا في سيدني الأسترالية، خرج آلاف المتظاهرين في مسيرة ضخمة عبر جسر هاربور الشهير، مطالبين بوقف الحرب وإدخال المساعدات إلى غزة. وقد حمل المشاركون أواني طهي فارغة، تعبيرًا رمزيًا عن الجوع القاتل الذي يحاصر القطاع. وشارك في المسيرة جوليان أسانج، مؤسس ويكيليكس، في خطوة لافتة تؤكد حجم التعاطف الشعبي العالمي مع الشعب الفلسطيني، مقابل تواطؤ حكومات كبرى ما تزال ترفض الاعتراف بحجم الجريمة التي يقترفها العدو الصهيوني.

الأسير طزازعة... شهيد جديد في زنازين الموت
في تطور آخر، استشهد المختطف الفلسطيني الشاب أحمد طزازعة (20 عامًا) من جنين داخل سجن «مجدو»، ليرتفع عدد شهداء الحركة الأسيرة منذ بدء العدوان على غزة إلى 76 شهيدًا، في ظل استمرار جرائم التعذيب والتجويع والإهمال الطبي، وعلى رأسها استخدام مرض الجرب (السكابيوس) كسلاح بطيء للقتل. وقالت هيئة شؤون الأسرى إن استشهاد طزازعة يمثل «جريمة مكتملة الأركان»، فيما دعا مكتب إعلام الأسرى إلى تحقيق دولي عاجل، وفرض عقوبات على دولة الاحتلال، التي لا تزال تحظى بحصانة دولية تمنع محاسبة مجرميها.
في هذا السياق، دعت حركة حماس إلى مسيرات عالمية لنصرة غزة والأسرى، مؤكدة أن معركتهم «ليست فقط من أجل أرض، بل من أجل كرامة الإنسانية جمعاء». وكررت دعوتها للمجتمع الدولي ومؤسسات حقوق الإنسان بتحمل مسؤولياتهم، وإنهاء سياسة الإفلات من العقاب بحق قادة الاحتلال.