د. محمد أحمد النهاري 
أستاذ الأدب والنقد في جامعة صنعاء -
قرأت قصيدة بديعة للشاعر الشاب صلاح الدكاك، وأحب أن يشاركني القارئ الكريم هذه القراءة، محاولا تسليط ضوء -ولو أنه خافت- ولكنه في ما يبدو محاولة بسيطة للاقتراب من كوكب باهر، وأعتذر للقارئ الكريم الذي يطمع أن أكتب عن المستويات الشعرية لشاعرنا الشاب صلاح، على أنني أبادر بعبارات قصار أسجل فيها أن صلاح شاعر كشعراء آخرين ألموا بموضوعات كثر، منها على سبيل المثال (حسينيته) الأخيرة عن الحسين الشهيد والمشهود، كما أنني ألمح إلى أنه في موضوعاته الشعرية ذات العنوانات المختلفة يظهر علينا بفحولة مبكرة؛ فهو شاعر ثوري وهو شاعر غزل: «يصبي الفتاة فما تعتصم». وأحب أن أقف عند هذا النص الذي استوقفني بظلاله الدالة الـنيقة لأورد النص كما يأتي أولاً.


مطر الغواية
أنت القصيدة، قبليني كي أساويني تماماْ
فأنا الذي قلتُ (اكتملت)..
ومذ بزغتِ تناثرت لغتي حطاماْ
مازال ينقص خاطري نهدٌ كنهدك حاذق التكويرِ،
يرضعني الكلاماْ
موَّال شعرٍ مثل شعرك باذخ الأمداءِ؛
يبحر بي دواماْ
ظفرٌ لئيم الغنج ينكأ رغبتي الكسلى
ويسلبني السكينةَ والسلاماْ
*
أنت القصيدة عانقيني واهصري مطر الغوايةِ
فوق نفسي المطمئنةِ وارجعيها للغوى،
عشرين عاماْ
آنست نارك فارتجلت نبوءةً أخرى
وأرجأت الختاماْ
مازال ثمة كرمةٌ عذراء
لم تسفح بذاكرتي المُداماْ
وأنا الذي قلت: اغتبقتُ سُلافَ دهري
بالصغير وبالكبير
ومذ بزغت بَصِرتُ أني لا عراق ولا شآماْ
ولا مُدَامَ ولا ندامى
مازال ينقصني اغتباقك
كي يصير فمي شذىً ودمي خزامى
مازال ينقص طفلي الغجري جنيَّةٌ ليسترخي تماماْ
مازال ينقص مِزهري وترٌ ليرقى منتهى النجوى مقاماْ
مازال ينقص قصتي فصلٌ
وتكتمل الدراما
2017



نشير قبل بداية القراءة إلى صنيع، «رولان بارت» صاحب «عتبات النص». والمقصود بالعتبات المداخل إلى النص من أبواب مختلفة، ويمكن أن أسميها مداخل لقراءة النص، أو ما أسميه موجهات القراءة. ولقد عرف تراثنا العربي هذه المداخل من قبل خاصة علماء البلاغة وعلى رأسهم العبقري العظيم عبدالقاهر الجرجاني في القرن الخامس للهجرة، إذ أورد بعض إضاءات في كتابيه المرموقين: «دلائل الإعجاز» و«أسرار البلاغة»، ودارت الفكرة عنده حول مفتتح سور القرآن الكريم، إذ فهمنا أن مفتتح السورة هي موجهتها المركزية لما يدور فيها من أفكار قد تكون مجملة بعد تفصيل أو توضيح لما بهم في آيات متفرقة في هذه السورة أو تلك. وعند قراءتنا قصيدة صلاح نقف عند عتبة بارزة، تتمثل بالعنوان: مطر الغواية.
إن الشاعر استدعى مفردتين: «مطر» و«الغواية»، ولكل منهما دلالتها في تراثنا العربي، فالمطر يشي بغزارة الماء المنهمر، يأتي على كل شيء فـ«أمطرنا عليهم مطرا»، وقال موسى للمصري: «إنك لغوي مبين»، وربما قلت في التفاتة سابقة إن وعي صلاح غني بالتراث العربي 
القديم؛ فهو يضمن ويقتبس من ثلاثة مصادر يعلمها من يقرأ شعره أو نثره الماثل في عنوانات: «لا» التي يمثل كل عنوان منها صفحات وصفحات، وفي تقديري أن عنوانات «لا» أشد على خوارج مرتزقة العدوان من السهام المصمية. تتمثل هذه المصادر في:
 1 - القرآن الكريم الذي يظهر أن صلاح يحفظه أو آيات كثيرة منه، وهو يضمن كثيرا من مقالاته أو قصائده ويقتبس لها مناسب الحال مما يثير في ذاكرة القارئ الإحساس الشديد بالموقف والشعور به.
2 - الحديث النبوي الشريف فهو يقترب من جوامع كلمه فيقطف لنا مشاعر حساسة بشكل مرهف من هذا المصدر النبوي العالق بأذهان الأمة من زمن الوحي السماوي.
3 - الأمثال العربية.
4 - اللغة التداولية الثقافية على مستوى القص والعبرة والموعظة. 
كل هذه المصادر تحيل القارئ إلى تمثل المواقف في جوانبها المختلفة فيصدر عن كل ذلك انفعال مثير يصنعه المبدع القدير.
كل هذه المصادر تحيل القارئ إلى تمثل المواقف في جوانبها المختلفة، فيصدر عن كل ذلك انفعال مثير يصنعه المبدع القدير.
في هذا النص يقابلنا المجاز في أول سطر، إذ تبدو القصيدة كائنا حيا يسقط عليه فعل الأنثى في معرض حديث غزل، ولكنه الغزل القادر على السيطرة والفعل الموجب بخلاف عادة درج عليها الشعر العربي القديم، فالمرأة في شعر صلاح تبدو مسيطرة، بل تبدو سيطرتها على نحو قادر على الإحياء والإماتة بنفس الوقت، وإذا كان معروفا بالشعر قضية «تراسل الحواس»، فالمرأة هنا تتراسل مع القصيدة، وقد درج في المفهوم العام عنوان «قبلة الحياة»، فالقصيدة مطلوب إليها أن تقبل الشاعر كي يتسق توازنه العام ويفصح بالوقت ذاته عن سبب خلل توازنه لأنه يفقد سبب هذا التوازن الماثل في تكوير النهد، وهو يثير جانبا من جوانب التكوين الفطري، وهذا الثدي يزرع في الإنسان النمو، نمو الجسد ونمو اللغة، وهي لغة تختلف عن مدارج أو مستويات اللغة العامة، وهي لغة شعرية خالصة تشكل موالا لامنتهيا قادرا على أن يبحر بالشعر في آماد لامتناهية. وإذا ما ذهبنا نستفتي العالم الاجتماعي الكبير عبدالرحمن بن خلدون عن كيفية اختلاف الشاعر من أمد إلى أمد، ومن أفق إلى أفق، كيف يكون الشعر موالا، وكيف ينقلب هذا الموال إلى توحش وكائن يسلب الإنسان السكينة والسلام، لأصدر فتوى تكسر كل معايير اللغة، إذ إن «للشاعر أن يتفسح في اللغة ويسلك طرقا شتى مهما كانت معوجة، لأنه فوق الواقع، فهو مسيطر على اللغة والمتحكم في زمامها يوجهها حيث ما شاء واراد».
موال شعر مثل شعرك باذخ الأمداء
يبحر بي دواما
ظفرا لئيم الغنج ينكأ رغبتي الكسلى
ويسلبني السكينة والسلاما
والقصيدة المرأة مطلوب إليها الوصال حد العناق، وأن تمنحه مطر الغواية.. أن تأتي عليه لتفقده كل إحساس وشعور بالعقل والمسؤولية، وأن تعهد إليه الغواية التي تجعله -كما هم الشعراء- أصحاب توازن بفعل الغواية والضلال الشعري، وتأتي فعالية الاقتباس؛ إذ يأنس الشاعر بالنار التي هي علامة من علامات النبوة ليذكرنا بآية «آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس»، وهناك يجد الله!
وتأتي الركيزة الثالثة بالفعل، وهي محل خطاب ثالث: «الكرمة»، والكرمة إشارة نصرانية تعني كأس الخلود، كما هي إشارة نواسية وبشارة للعروج إلى السماء:
مازال ثمة كرمة عذراء لم تسفح بذاكرتي المداما
وهي كرمة أبي نواس: «أسقني بالصغير وبالكبير».
كما يأتي بصر موسى عليه السلام الذي تمحى أمام ناظريه كل آفاق الجغرافيا:
ومذ بزغت بصرت أني لا عراق ولا شآما
ولا مدامَ ولا ندامى
وللصوفية غيبات وغيبات؛ إذ يحصل الفناء فلا شهود إلا لإله الشهادة، إذ يصير الشاعر من هذه الكائنات الروحية.. شذى وخزامى.
يحاول الفكر الصوفي أن ينفذ من أفق محصور إلى آفاق مديدة الكمال والجلال؛ «ليرقى منتهى نجوى مقامى»، ليذكرنا صلاح بالنار التي آنسها سيدنا موسى، فخاطب الله جهرة. ويبشر الشاعر الملأ من حوله بأنه لا ينقصه إلا فصل وهو العروج السماوي لتكتمل قصته:
«مازال ينقص قصتي فصل
وتكتمل الدراما»
قلنا إن هناك ما سماه النقاد تراسل الحواس. والحواس هنا تمضي في جدلية مفاصلة يطمع الشاعر من خلالها أن يكسر كل حواجز التثبيط التي تشد الإنسان إلى الأرض، وهي حواجز تمنع الإنسان من الصعود والعروج، وكأنه قد بلغ من المرتبة الصوفية حدا لا ينقصه سوى المرحلة الأخيرة التي تعوقه عن الانطلاق.
كان الصراع ماثلا بين الكاتب الأديب والشاعر الناقد صاحب العبقريات، عباس العقاد، وبين شعراء النهضة وشوقي وحافظ بخاصة على مستوى التشكيل والمضمون؛ إذ يتهم العقاد في كتابه «الشعر المصري بعد شوقي وحافظ»، بأنه شاعر مناسبات ليس إلا، وأنه لا يزيد عن كونه مداحا مسفا في أشعاره، وبخاصة التي مدح فيها رجال القصر، وعلى رأسهم الخديوي، وأن حافظ ليس ينقصه سوى هذا الذل المهين الذي تدل عليه قصيدة «الإمارة»: «وهذي وفود الشعر قد بايعت معي». وارتأى العقاد أن الشعر القديم تنقصه الوحدة الموضوعية، وفوق ذلك ينقص هذا الشعر القديم التراسل الذي يقوم بعملية تلوين للفكرة، بخلاف الشعر الحديث الذي تتوافر فيه الموضوعية والواقعية الفنية، ويقوم الفن بتجسيد الفكرة الشعرية شاخصة مبصرة تراسلا مع قول النقاد إن الشعر إدراك حقيقي للعاطفة، وهذا ما نجده في هذه القصيدة للشاعر المتميز صلاح الدكاك، فهي قصيدة ملأى بالصور التي تقوم على إدراك عاطفي للحقيقة، ولسنا نطلب أن يخرج الشعر الحديث عن هذه الفكرة التي لخصت الفن الشعري في هذه العبارة الماتعة.
أطمع أن أكون أول المبادرين في تقديم ديوان شعري لهذا الفتى الشاعر صلاح الدكاك، على أن ينجو من كسله الذي يعده تواضعا، وهو تواضع غير حميد.