النطفة الخبيثة
 

ابراهيم الوشلي

إبراهيم الوشلي / لا ميديا -

والله لا أدري، هل نحن أمام تشابه في الأزمان يجعلنا نرى طغاة لا يختلفون في شيء عن أسلافهم، أم أن التشابه في الطغاة أنفسهم، وهذا ما يجعلنا نرى تماثلاً ملموساً بين العصور.
في مستهل ستينيات القرن الأول الهجري، تم تنصيب يزيد ابن معاوية خليفة على المسلمين، ووكيلاً على مختلف شؤون الأمة، وكان عمره آنذاك 34 عاماً تقريباً. ورغم غوايته المعروفة للناس إلى جانب فساده وفجوره وشغفه بكل ما هو حرام، إلا أنه وجد في ضعفاء النفوس والقلوب من يسميه "أمير المؤمنين"، ويحدث الناس عن صلاحه وتقواه منقطعة النظير، وكان البعض ولا يزالون يسهبون في الكلام عن اهتمامه بشؤون الناس وتفقده لأحوالهم، ويشعرون بالفخر والاعتزاز إذا اقتحمت فتوحاته وإنجازاته أطراف الحديث، بينما يحكي المحدثون والمؤرخون أن الناس الذين استحوذوا على اهتمام "أمير المؤمنين" يزيد يتلخصون في قرده الحبيب (أبو قيس)، الذي نال من التعازي في وفاته ما لم ينله في موت معاوية.
السنوات العجاف التي استمتع فيها يزيد بكرسي الخلافة لا تتعدى الثلاث، استباح المدينة في الأولى وأحرق الكعبة في الثانية، وارتكب الجرم الأعظم بحق الأمة في الثالثة، ألا وهي قتل سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله)، الإمام الحسين عليه السلام.
وما يستجلب الحيرة ويحرضها علينا هو التطابق الدقيق بين سياسة "بني أمية" وسياسة "بني سعود". هل هو محض صدفة جمعت بين أسرتين من أهل الجحيم؟ أم أن النطفة الخبيثة واحدة والدم واحد؟ أم أن بروتوكولات اليوم هي مكملة بالضرورة لبروتوكولات الأمس؟ وهذا هو الأرجح (رغم اقتناعي أنا شخصياً بالخيار الثاني).
في ثلاثينيات القرن الخامس عشر الهجري، تم تنصيب محمد بن سلمان ولياً للعهد السعودي، ولأن أباه لم يعد يتعرف على وجهه بالمرآة بسبب الزهايمر وحليفته الشيخوخة، فيمكن القول إنه يقوم مقام الملك. ونظراً لموقع الحرمين الشريفين في الأراضي التي يحكمها، اتجه البعض لاعتباره "أميراً للمؤمنين" و"حامياً لحُرم المسلمين". وهذا بالطبع رغم فساده وفجوره الذي وصل صيته إلى مجرة أندروميديا، ناهيك عن جرائمه الوحشية بحق الشعوب. وأولئك الذين أفنوا حياتهم في امتداح يزيد، مازالوا مستمرين في وظيفتهم المملة حتى الآن. بيد أن يزيد اليوم هو محمد بن سلمان.
ولأنني ذكرت في حديثي عن يزيد استباحته لبيت الله الحرام، فأنا أجد نفسي "من باب تحري العدالة" مضطراً لذكر المتسلق السعودي "بن سلمان"، الذي صعد إلى سطح الكعبة تفاخراً وتعالياً، ثم أمر "المغامسي" وهو أحد علماء البلاط بإصدار حديث يبيح له الصعود والزنى إن أراد فوق بيت الله الحرام، فهو "أمير المؤمنين"، وفي المنهج الأموي والسعودي تكون المحرمات محرماتٍ على الرعية فقط، أما الراعي فيمكنه الزنى والقتل والسرقة دون أن يجد عتاباً من مخلوق ولا من خالق.
حتى إنه في مثل هذه الأيام، عندما قرر الإمام الحسين عليه السلام الخروج ضد قوى الطاغوت وإعلان رفضه القاطع لحكم يزيد أولاً - ومبايعته ثانياً، ما لبثت الثورة أن تشتعل حتى ظهر دعاة "بني أمية" بأحاديثهم التي تحرم الخروج على الوالي وإن كان ممعناً في الظلم والعدوان؛ وهي ذات السياسة التي يستخدمها اليوم "بنو سعود" في ظلمهم وعدوانهم، لا فرق صدقوني بين قدح النبيذ الخاص بيزيد والقدح الخاص بابن سلمان.
ومن أوجه الشبه بين الاثنين التي لا يمكن إغفالها، الروايات التي تحدثنا عن شخص يهودي اسمه "سرجون"، كان يملي أوامره على "أمير المؤمنين" بصفته مستشاراً له، وهذا يرمي بأنظارنا إلى العلاقة الحميمية بين الصهيونية والسعودية، ويعيد إلى ذاكرتنا تلك المكالمة المسربة بين ترامب والمهفوف، التي تلقى خلالها الأخير شتائم سوقية بالنكهة الإنجليزية، يترجمونها دائماً على أنها "تباً لك"، وهذا إجحاف بحقها.
أرجو أن أكون بما كتبته قد استطعت إيضاح بعض التشابه الذي وجدته كبيراً، ولا فرق عندي إن كان سببه في الأزمان أو السياسات أو الأشخاص، المهم أن وجود اليزيديين اليوم لا يعني غياب الحسينيين، وإن كان الظلم منهجاً أورثه قتلة السبطين لأحفادهم، فرفض الظلم إرثنا المأثور من آبائنا وأجدادنا.

أترك تعليقاً

التعليقات