ازدواجية الإصلاحي/ الثوري 2-2
 

محمد ناجي أحمد

محمد ناجي أحمد / لا ميديا -

 ملاحظـات على كـتاب «الصراع السياسـي في مجـرى الثورة اليمنيـة...» (*)
لم يتخرج النعمان في الأزهر الشريف عـام 1939م، فما ذهـب إليه الباحـث في هامشه التوضيحــي (ص57) ليس صحيحــاً، وإنما حضر النعمان دروســاً ومحاضرات في الأزهر كمستمع، بواسطة من شكيب أرسلان، الذي عمل معه النعمان لفترة في كتابة رسائل الأمير شكيب أرسلان. وكذلك كان شأن الزبيري الذي يذهب البعض إلى أنه تخرج في دار العلوم. فكلاهما، الزبيري والنعمان، سُمح له بالحضور، النعمان في الأزهر، والزبيري في دار العلوم، مستمعين لا طالبين رسميين، نظراً لعدم امتلاكهما شهادات من المدارس. فتعليمهما كان تقليديا بإجازات من العلماء، وليس تعليماً حديثاً.
كذلك فإن سحب الجنسية عن النعمان سببه تصريحاته أثناء حصار السبعين يوماً، وقوله بأن العيد الذي سيأتي لن يستطيع الرئيس الإرياني الصلاة في الجبانة في صنعاء. وسحب الجنسية كان بشكل رئيسي استجابة لضغوطات قادة الوحدات والمدارس العسكرية، التي صمدت في حصار السبعين يوما، ورأت في تصريحات النعمان خيانة وطنية، وطالبوا بسحب الجنسية عنه. وقد استجاب لهم القاضي الإرياني مكرهاً.
يرى الباحث أن طرح عبد الرحمن البيضاني ومطالبته بـ»التوازن الطائفي» مهم من الناحية السياسية الواقعية، إلاَّ أن طرح البيضاني ومطالبته بالتوازن الطائفي العيب فيه من وجهة نظر الباحث أنها طرحت لأهداف سياسية ذاتية، بدون رؤية سياسية وطنية (ص72). لا أدري كيف يمكن بناء دولة مواطنة بناء على مفهوم «التوازن الطائفي» الذي يصفه الباحث بـ»المهم من الناحية السياسية الواقعية»!
 يدرج الباحث اسم عبده محمد المخلافي، مؤسس تنظيم الطليعة العربية الإسلامية، والذي اشتهر عند بعض الباحثين بأنه المراقب العام لحركة الإخوان في اليمن، يدرجه ضمن الجناح الجمهوري القبلي، والحقيقة أن إسهام المخلافي في المقاومة الشعبية بتعز ثم مقتله بحادث غامض بنقيل سمارة، عام 1969، يشي بأن الحادث كان مدبراً من قبل أقطاب جمهورية 5 نوفمبر، كي يتم الاستفراد بقيادة حركة الإخوان المسلمين في اليمن، ومصادرة توجهها لصالح السعودية وممثليها: الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر والأستاذ عبد المجيد الزنداني، أي لصالح وهبنة تنظيم الإخوان بما يخدم النظام والأهداف السعودية الغربية في المنطقة. ولهذا فبرأيي أن موضوع عبده محمد المخلافي يحتاج إلى بحث وحيثيات تزيل الغموض عن مساره ومقتله.
يصف الباحث قرارات الرئيس عبد الله السلال بعد عودته من مصر عام 1966، والتي وصلت إلى حد إقامة محكمة الشعب، والحكم بالإعدام على البعض كالرعيني وعيسى هادي بتهمة التخابر مع «إسرائيل»، وفرار رموز الجناح الجمهوري القبلي إلى «خَمِر» والسعودية ولبنان، يصفها بأنها «قرارات وإجراءات قاسية وغير مبررة ولا مفهومة ضد معارضيه في الجناح الآخر»، وأنها قرارات فوقية، بدلاً من القيام بتحولات اجتماعية اقتصادية قانونية تحدث تحولات في بنية المجتمع المادية والاقتصادية. والحقيقة أن التحولات المطلوبة التي يتحدث عنها الباحث قادري أحمد حيدر لن يكتب لها النجاح ما لم يتم إزاحة القوى الاجتماعية المناهضة لهذه التحولات، وقد سبق أن عارض هذا الجناح كل مبادرة أو توجه نحو الإصلاح الزراعي وبناء قطاع تعاوني وقطاع عام صناعي قوي، فالمطالبة بهذه التحولات مع بقاء القوى الاجتماعية المعيقة والرافضة لها يصبح موقفاً مثالياً، ينطلق من قناعة مثالية بإمكانية التغيير دون الصدام مع هذه القوى المعيقة لأي تحولات تسلبها عوامل الهيمنة والثروة (راجع ما قاله الباحث في ص86-87).
لم يذكر لنا الباحث أن السلال في هذا الصراع كان قد ظل تحت الإقامة الجبرية بالقاهرة لمدة تسعة أشهر، من أكتوبر 1965 إلى أغسطس 1966، وأن هذه القوى قد خططت لقتله عند عودته وهو في طريقه إلى القصر الجمهوري بصنعاء، بحسب ما يذكره الشيخ سنان أبو لحوم في مذكراته، ودونه الرئيس القاضي عبد الرحمن الإرياني في مذكراته، معبرا عن رفضه لهذا الكمين. الحقيقة أن إجراءات وقرارات السلال كانت متأخرة، سواء في مواجهته لقوى «خَمِر»، أو تأسيسه للمؤتمر الثوري عام 1966 برئاسته، وأمينه العام يحيى بهران... 
يستدرك الباحث بعد حكمه السابق بقوله إن «هذه الإجراءات العنيفة لم ترتبط بإجراءات جذرية تمس المصالح الحقيقية للقوى السياسية التقليدية، وشبه الإقطاع وكبار المشايخ والكمبرادور» (ص88). وباعتقادي أن المشكلة تكمن في أن الصحوة الثورية كانت متأخرة، فمنذ عودة السلال من إقامته الجبرية في مصر إلى أن تم الانقلاب عليه في 5 نوفمبر1967، وقد كان بحدسه يعلم أن ترتيباً للانقلاب عليه، وأن الظروف الإقليمية والمحلية أصبحت في صف قوى «خَمِر»، فقد غادر اليمن إلى مصر في 2 نوفمبر بحجة السفر إلى العراق وموسكو، وقد أصر نائبه عبد الله جزيلان على مرافقته إلى مصر، ورفض البقاء في اليمن، وكأنه على علم بأن الانقلاب أصبح في خطواته الأخيرة، ولا يريد أن يتحمل الخطوات الانتقامية التي يمكن أن يتعرض لها. فقد عاد القاضي الإرياني من إقامته الجبرية في مصر، والتي استمرت لـ13 شهراً (بتاريخ 26 أكتوبر 1967) إلى الحديدة، على رأس أربعين شخصية من رجاله. أي أن إجراءات السلال ضدهم كان سقفها الزمني سنة تقريبا. وسرعان ما تم إسقاط الجناح الجمهوري الثوري، إما بالنفي أو السجن أو الإخفاء أو فرار من استطاع منهم. 
يبدو أن الباحث عجز في أكثر من موضع للتحليل، سواء في موقف حزب البعث المنحاز مع قوى «خَمِر»، أو المشارك في أحداث أغسطس منحازاً للقوى القبلية ضد الجناح الثوري، أو في موقف الحزب من انقلاب 5 نوفمبر، عجز عن التحرر من تحيزاته مع حزب البعث، تارة يفصل بين موقف كوادر حزب البعث وموقف قياداته، أو في تبريره لمواقف حزب البعث في تلك المواقف، وصولاً إلى وصفه لانقلاب 5 نوفمبر بأنه «ما يزال يدور حول انقلاب 5 نوفمبر 1967 جدل وسجال حول طبيعته وهويته، والقوى المنفذة له (المشاركين في صناعة الحدث)، وبهذا المعنى ما يزال 5 نوفمبر 1967 قضية سياسية ووطنية مفتوحة للبحث والنقاش من زوايا وجوانب عديدة لم تبحث» (ص91).
لا أدري ما المقصود من تعبير الباحث «خط التطور السياسي الطبيعي» الذي يستخدمه المؤلف، ويضيف له وصف «السلمي»، حين يتحدث عن محسن العيني والرئيس القاضي عبدالرحمن الإرياني بأنهما مع «خط التطور السياسي الطبيعي السلمي»، علماً بأن الرئيس الإرياني والعيني فيما يخص الموقف الاجتماعي والسياسي والاقتصادي هما من تحالف قوى «خَمِر» الأساسيين والمساهمين بفاعلية في قراراته وأدبياته ودستوره! هل يقصد المؤلف بهذا التعبير: تشكيل دولة المؤسسات المعبرة عن توجه قوى «خَمِر» سياسياً واقتصادياً وسياسياً؟ هنا تصبح الفروقات في الدرجة وليست نوعية بين أي صراع سياسي داخل البنية التحالفية لقوى «خَمِر»، صراع في من يرث الإمامة، قوى المشيخ أم قوى القضاة والتكنوقراط، وليس خلافاً في جوهر القضية الاجتماعية والموقف منها. كان الصراع داخل هذه القوى حول احتكار أدوات العنف والقرار السيادي والثروة، هل يكون بيد رئيس المجلس الجمهوري والحكومة، أم يكون بيد رئيس مجلس الشورى وقوى المشيخ؟ ولم يكن هناك خلاف حول رؤيتهم الاجتماعية والاقتصادية، أي لم يكن تباينا حول الفلسفة الاجتماعية للنظام!
يجزم الباحث بوجود هوية جغرافية حضرمية جامعة في كل الدويلات التي نشأت في حضرموت، وهو جزم يعوزه المسوغ والمنطق في مثل هذا الاستثناء، فما وجد من دويلات في حضرموت، ونزوع للتوسع والرغبة في السيطرة عليها تحت حكم واحد، سنجده يماثل جغرافيات أخرى في اليمن، وبالتالي فإن قول الباحث. «في البداية يجب الإقرار بالقول إن «الحضرمية» كانت هي الإطار الجامع (كهوية جغرافية مكانية) لكل الدول والسلطات والمشيخات التي ظهرت في حضرموت، من مملكة «كندة « إلى دولة «طالب الحق» (عبد الله بن يحيى الكندي) إلى دولة آل يماني إلى الدولة «الكثيرية» والدولة القعيطية» (ص157). من وجهة نظري هذا «الإقرار» ليس له من مسوِّغ سوى تخليق «الهويات السياسية» في الأذهان التي يمكن أن يبنى على أوهام «الهويات الجغرافية المكانية» الضيقة، فهذا «الإقرار» يمكن تعميمه على أكثر من جغرافيا داخل اليمن! فليست حضرموت في سياقها التاريخي حالة خاصة، حتى نقر لها بذلك! يمكن التأسيس لهذه الأوهام الهوياتية، بما يتعلق بسلطنة لحج وعدن، وفيما أطلق عليه اسم «اليمن الأسفل» وتحديداً تعز وزبيد... إلخ!
في هذا السياق يرى الباحث أن طلب سلطنة لحج في 18 فبراير 1948 الانضمام إلى عضوية الجامعة العربية، أو تمثيلها في اللجنة الثقافية، بأن «مجرد إقدام السلطنة على ذلك الطلب هو خطوة سياسية متقدمة، تتناسب مع بعض التوجه العروبي في إدارة السلطنة وقيادتها. وهي خطوة تعكس حالة سياسية وطنية وقومية متقدمة لم تجرؤ أي سلطنة على الإقدام على مثلها، وهي تعبير عن صعود فكر سياسي جديد في كل المنطقة اليمنية» (ص174).
كيف يمكن فهم إقدام سلطان لحج على طلب الانضمام إلى الجامعة العربية عام 1948 بهذا الإطناب الاحتفائي، وإلباس هذا التصرف لباس «الوطنية والقومية المتقدمة»، وهي مرتبطة ومكبلة باتفاقيات حماية واستشارة تمنعها من الإقدام على أي تصرف أو معاهدات أو اتفاقيات داخلية أو خارجية دون موافقة الحاكم البريطاني بعدن؟ ولاستحالة ذلك قانوناً وواقعاً وسيادة فإن تصرف سلطان لحج لا يخرج عن توجيهات الاستعمار البريطاني في تعزيز انفصال الجنوب عن الهوية اليمنية الجامعة! 
ويصف الباحث رد عبد الله بن علوي بن حسن الجفري على اعتراض مندوب «المملكة المتوكلية اليمنية» في الجامعة العربية بقوله: «وقد رد عبد الله بن علوي بن حسن الجفري على الاعتراض اليمني» والمقصود بقول الباحث «الاعتراض اليمني» إعطاء مصطلح «اليمني» سمة جهوية شمالية، أي أن سلطنة لحج مختلفة في هويتها عن الهوية «اليمنية» التي تصبح في أحسن الأحوال لدى المؤلف مجرد هوية «ثقافية» مع العلم بأن الاعتراض حين يكون موجهاً ضد الهوية السياسية فهو يتأسس على هويات ثقافية متمايزة عن بعضها!
وفي هذا انسياق وتسليم للمفاهيم الهوياتية التي كانت بريطانيا تفرضها بقوة الغلبة الاستعمارية، تارة باسم «الجنوب» وأخرى «الجنوب العربي»، وكلها كانت تستخدم من أجل نفي الهوية الجامعة (اليمن).
يتناقض الباحث مع منطقه (الإقراري) الاحتفائي بالهويات الجغرافية الحضرمية واللحجية حين يصف المشيخات الصغيرة بأن عموم المشيخات والإمارات باستثناء سلطنة لحج والقعيطي والكثيري لا تملك مقومات الإمارة، وإنما تعكس واقع حالة التخلف الاقتصادي والشقاق الاجتماعي، والتفكك السياسي، والتجزئة الوطنية... (ص175)، مع أن توصيف الباحث هنا للمشيخات والسلطنات التي يصفها بالصغيرة ينطبق على كل المحميات الغربية والشرقية وعلى مستعمرة عدن من حيث الدافع والوظيفة!
ما وصفه الباحث بقوله: «كما شرعن وجودها واقع التخلف الاقتصادي التاريخي: العزلة والتجزئة تحت الحماية البريطانية المباشرة بعد احتلال عدن» (ص 176)، بل وفي مسارها التاريخي الذي نشأت فيه كانعكاس لواقع التخلف والضعف الذي عانى منه المركز. هذا التوصيف يشمل كل حالات التفكك، ولا يمكن إطلاقه على بعض المشيخات، واستثناء أخرى، فكلها مشيخات (مجهرية) وظيفية، بما يحقق مصالح الاستعمار البريطاني في المنطقة. 
ليس صحيحاً ما ذهب إليه الباحث من أن دولة علي بن الفضل امتدت من يافع لتسيطر على كل اليمن، فما سيطرت عليه قد لا يتجاوز ثلث اليمن، صحيح أنه انطلق من يافع، لكن عاصمة حكمه كانت «مذيخرة» في العدين، لكن الباحث مولع بتوجيه تاريخ الدويلات في اليمن بما يعزز ويعطي لمشيخة يافع عمقا تاريخيا يعزز من أوهام الهويات الوهمية!
لقد ظل علي بن الفضل في تنازع مع رفيقه «داعي اليمن، بن حوشب» الذي انطلق من حجة، وكذلك مع الأئمة أولاد الهادي يحيى بن الحسين، ومع اليعفريين، والزياديين، فإذا القول بأن علي بن الفضل وحد اليمن تحت حكمه مجافٍ لحقائق التاريخ. 
لقد كان تمرد علي بن الفضل على مركز الحركة الإسماعيلية في «سلمية» متزامناً مع تمرد آل الجنابي في البحرين، وتمرد حمدان قرمط وعبدان في الشام، والسبب يعود إلى ظهور الإمام عبيد الله بن الحسين المهدي، بعد أن كانت الحركة تؤمن بإمامة محمد بن إسماعيل، كإمام مخفي، وجاء انتقال الإمام عبيد الله المهدي إلى المغرب بدلاً عن اليمن كما كان مقررا، من ضمن عوامل التمردات العديدة، أضف إلى ذلك قتل الإمام لداعيته في المغرب «أبو عبد الله الشيعي» وأخيه «أبو العباس» بعد أن تمكن في المغرب. فإذن أسباب تمرد علي بن الفضل على الحركة الإسماعيلية والإمام عبيد الله بن الحسين المهدي لم يكن لأسباب النزوع «الوطني» أو المحلي، وإنما للأسباب ذاتها التي جعلت قرامطة الشام وإسماعيلية البحرين يتمردون. 
يبدو لي أن ثنائية الباحث/ الأيديولوجي ظلت حاضرة في مجمل المسار التحليلي داخل الكتاب، سواء في اختيار الباحث للمصطلحات التي يلجأ إليها الباحث، مثل «التطور الطبيعي» ولا نراه سوى رديف لمصطلح «الحتمية التاريخية» إن لم يكن تعبير المؤلف أكثر حتمية، لما فيه من ربط التطور بالطبيعة لا بالإنسان، أو بالزمن مستقلاً عن الإنسان!
يسير المؤلف على نمطية ازدراء الريف وجوهرانية المدينة عدن. يصف الباحث الجماهير «الريفية» التي دخلت عدن بعد الاستقلال بقوله: «وهذه هي المجاميع الجماهيرية «الريفية» التي دخلت و»غزت» المدينة عدن بعد الاستقلال وأثرت بصورة مباشرة وغير مباشرة على الطابع المديني للمدينة الكوزمبوليتية: عدن (ص316) والحقيقة هي أن طابع المدن العربية كلها، باستثناء القاهرة وبدرجة تالية دمشق، وتأخذ الطابع الريفي في تفكير قاطنيها. كذلك فإن مدينة عدن تأسست بفعل نزوح الريفيين إليها بحثاً عن العمل، إما من أبناء المخا وتهامة بعد أن عمل الاستعمار البريطاني على تعطيل ميناء المخا، وإما من أبناء الحجرية والمحميات وإب، وهؤلاء هم الذين حافظوا على الهوية اليمنية لمدينة عدن، وكانوا عمق الحركة العمالية وحركة التحرر ضد الاستعمار البريطاني. 
هناك خلط في الفهم بين القيم الريفية الفلاحية والقيم البدوية، والذين يتحدثون عن القيم الريفية بازدراء واستعلاء، ويرونها قيما متخلفة، يخلطون بينها وبين القيم البدوية التي تقوم على المغالبة، وفي كلا الأمرين هم مخطئون، فالقيم الاجتماعية تحتاج إلى من يدرسها متخففاً من الهجاء والاستعلاء، وإنما يدرسها ليفهم طبيعة المجتمعات، وأنساقهما وظرفهما، وتطورهما التاريخي، لا ليدينها.
إن المجتمعات العربية في أغلبها مجتمعات فلاحية، والاستقرار بالنسبة للفلاح هو أساس الحياة، لهذا فهو يطالب بالقوانين والدولة كي تشكل له سياجاً يحميه من مغالبة البدو والفوضى... 
يمكن العودة إلى كتاب «دراسة في طبيعة المجتمع العراقي» للدكتور علي الوردي، للتوسع في معرفة ودراسة البداوة والحضارة، وكذلك دراسته عن ابن خلدون. وإذا عدنا إلى التكوين الطبقي لقيادات وكوادر الجبهة القومية ثم الحزب الاشتراكي فسنجدها من البرجوازية الصغيرة ذات المنشأ الفلاحي، ومن الفلاحين والعمال. فإذن السمات الفلاحية الريفية هي التي ستغلب عليهم، وليس السمات البدوية. مع الأخذ في الاعتبار أن القيم البدوية لها تأثيرها وحضورها لدى أهل الريف وأهل المدن، «فكل فئة من هذه الفئات الثلاث في بلادنا تعيش في وضع اجتماعي خاص بها، إنها جميعاً قد تأثرت بالقيم البدوية، ولكنها تختلف فيما بينها حسب اختلاف هذا التأثر ومبلغ تفاعله مع القيم الحضرية» (الدكتور علي الوردي: دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، دار الوراق –الطبعة الرابعة 2017، ص97). 

أترك تعليقاً

التعليقات