أنا والألف الريال المقطوعة
 

عمر القاضي

نمشي بلا رصيد. وهواتفنا بلا شحن. (يرجى الاتصال بي) استنفدناها كاملة. جيوبنا، ومطاراتنا، وموانئنا مغلقة، من قبل التحالف. رواتبنا موقوفة لم تصرف منذ عامين.
فكل طرف يحمل الآخر المسؤولية عن الكارثة. وأنت تنتظر احتضارك. بينما هم يتبادلون الاتهامات كطبائن مع زوج إصلاحي، يعود آخرة الليل يصلي يتهجد. ومكياج وبخور الطبائن نسوانه يقرح جو.. تغادر شقتك فجراً، وتعود آخرة الليل كاللص حتى لا يصادفك المؤجر، وصاحب البقالة، ويسحبلوك طريق طريق إلى قسم الشرطة للنوم هناك، حتى تسدد دينهم. . كل أمنياتنا مثقوبة. اللوح الشمسي حقك مثقوب أيضاً. قال جارنا المستأجر في الدور الأعلى القريب من السطح، إن رصاصة راجعة نزلت عليه، مستدركاً: الرصاصة الراجعة شكلها أُطلقت من أحد الأعراس! رددت عليه أيش رأيك يعني بيطلقوها من داخل عزاء؟! أكيد أطلقت من عرس. . وبكل سماجة الرصاصة رجعت لفوق اللوح حقي. يعني ما حصلت مكان آخر من هذا العالم كله، حتى ترجع لفوق اللوح حقي؟
أيش تفعل؟ حلقت عليك من كل مكان. اللهم يا قاضي الحاجات يا مفرج الكروب، توصل عروسة العريس هذا مثقوبة بحق اللوح المثقوب بالسطح يا الله.. كل شيء في اليمن إما موقوف وإما مثقوب، أو مقطوع. النت ثقيل والكهرباء مقطوعة والماء مقطوع، شنطة اللابتوب وصلعة هادي والإسفلت مثقوب.. تفاصيلنا اليومية غير مكتملة، حتى الألف الريال الذي أعطاني إياها صديقي يحيى، قبل شهر ونصف، حق مواصلات، طلعت مقطوعة بالطرف، وحالة أبوها حالة. لها شهر ونصف مرابطة بجيبي. لقد رفضها الجميع. الله يعلم كم مديريات، ومحلات تجارية مرت منها الألف المقطوعة. أنا مقدر جهدها وحالتها المعنوية كثيراً.. لقد حاولت تمريرها في أسواق القات والبقالات وإلخ.. لكنها رُفضت. أنا متأكد أن الألف المقطوعة باتت ليالي مع بائعي المشتقات النفطية في السوق السوداء. وقد وضعوها باحتيال بين آلاف الأوراق التي تشبهها حتى لا يتم إخراجها وتنكشف. لأنه ما فيش أحد يملك زلط إلا هم.. أخيراً وصلت الألف المقطوعة لعندي، وعجزت عن تصريفها.. هكذا أصبحت الألف الآن وحيدة ومكشوفة أيضاً. الجميع يعرف عيبها وتجاعيدها من الاتجاهين. . حاولت أن أبدي تبريراتي لصاحب البقالة عن النضال المالي والاقتصادي الذي بذلته الألف المقطوعة، ولم يقتنع. بررت لعشرات المقاوتة وأصحاب الدراجات النارية، فرفضوها. أولاً يتحسسونها باحتقار. وعندما يكتشفون عيبها يردون عليك جميعهم بنفس العبارة: (دور غيرها). ما أقسى أن تكون وحيداً بجوار ألفك المقطوعة. 
الألف الريال اليمنية التي تشبهنا كثيراً.. بملامحها الداكنة، بحزنها.. بتقاطيعها.. هي إحدى ملايين الأوراق من عملتنا التي نشاهدها الآن بحزن وحسرة، وهي تنقرض وتحاصر من كل الاتجاهات والدول.
أصبحنا نشعر بالقلق حيال عملتنا المحلية، وبالذات عندما تقع بين أيادينا. كانت في السابق تبعث لنا السعادة. أما الآن نبدي تساؤلات كثيرة: هل صاحب المطعم بيقبلها؟ وكم سيعيد منها؟ مدري (نجرب نتغدي وعلى ربك). هذا هو المصير الأخير لعملتنا اليمنية الفريدة برائحتها، والخاصة بشعبها. للعملة اليمنية حقنا شعور خاص بذواتنا. لا نبديه لأية عملة أخرى. مهما كان سعر صرفها مرتفعاً. لألفنا ألف حزن وانكسار. لا صرف لها، لا بنك يحتويها. فهي محاصرة وتنقرض واحدة تلو الأخرى. الله لا فتح عليكم يا عبدربه ويا عدوان ويا صديقي يحيى أنت والألف الريال المقطوعة التي جبتها حق مواصلات، وأحنبتني فيها.

أترك تعليقاً

التعليقات